نورهان عبدالله*

تخرج الحياة من أفواه الوجع،
فما الحاجة إلى بيع أجسادنا
للشعور بالأمان…؟!

أجسادنا علامة على أنَّ الحياة مُدرجةٌ بحثاً عن الأمان، كما تبحث علياء، ذلك المزيج من الوحدة والخذلان، عن معنى يُشعرها أنها ما تزال على قيد الحياة، وأنَّ بيعها سيكون نابعاً من رحم الوجع، كبيع أطفالها مثلاً؟!

الحياة غير مستقرة بينها وبين زوجها. صباحاً يسمع الجيران أصواتهما العالقة على جدران الحائط، وبالليل دموعها كقطع ثلج تتساقط في الصيف. هل هذه الحياة نابعة من مخيلتها قبل أن تتزوج؟ هل الزواج سيحقق رفاهيتها كما تصورت…؟!

لم تعش حياةً مُرفهة كحياتها في بيت أمها، بعد نظرتها الثاقبة تجاه الحياة، وأن تشقى لتحقيق رفاهية علياء وأخواتها الثلاث.

ولكن…
اختارت علياء أن تبدأ حياتها مع عبدالحميد، ليعيشا قصة حُب تحكي عنها الحياة في مُذكرات تسمح للآخرين أن يتعلموا كيف يكون الحُب. وبعد السنة الأولى من الزواج، طفت المشاكل على سطح البيت فأسقطت جدرانه.

مرّت السنة الثانية بوجعٍ كوجع طلق امرأة حامل. بدأت بمشكلة صغيرة طرأت بينهما، ثم أُصيبت ابنتهما الصغرى بالتهاب الرئة. لم تكن الرحلة بسيطة مثل الحياة التي لم تشهد استقراراً حقيقياً، لكن الواقع كان أكثر إيلاماً من الحُب. تمسكت علياء بحياتها مع عبدالحميد، لكن القدر اختار طريقاً آخر، فماتت طفلتهما الأولى. خيّم الحزن على البيت، فسكتت علياء ولم تنطق، بينما عاش عبدالحميد كدرويشٍ تائه.

استمرت الحياة المُعلبة لمدة عامٍ كامل، ثم خرجا من حزنهما كسائلٍ لزج، فقررا أن يُنجبا من جديد. ولسوء حظهما أُصيبت الطفلة الثانية بفقدان السمع. عاندا القدر مرةً وراء أخرى، حتى وصلا إلى ولادة طفل خامس بعد وفاة الطفلة الأولى. لم تُنصف الحياة مشاعر علياء وزوجها، وأصبحت الحياة أبيض وأسود، لا مكان فيها للرمادي.

في ليلة باردة كليلة أمشير، سقطت علياء على الأرض، وصرخ أطفالها الأربعة، بعد قرار اتخذه عبدالحميد في لحظة خناق بينهما بأن يذهب إلى عرض البحر. قالت علياء قبل أن يُغشى عليها:

– هتموت في عرض البحر يا عبدالحميد.

قال، وهو يحلم كأمٍ عاقر تحلم بطفلٍ في أحشائها:

– ما تخفيش يا هبلة.. ده أنا خلال تلات تيام هوصل إيطاليا، وهستقر وهبعتلك إنتي والأولاد.

كتمت علياء أنفاسها، بل حبست دمعتها:

– حرام عليك.. هتسيب عيالك لمين؟ عيالك في سن صغير ومحتاجين أب، هو ده الحِلم اللي حلمنا بيه يا عبدالحميد؟

– خلاص أنا مسافر بعد الفجر.

– حرام عليك، إنت ليه ما بتفكرش غير في نفسك بس؟

– بكرة هتلاقيني ببعتلك.

توقف الحوار عند هذه النقطة. لم يعبأ بسقوط علياء على الأرض، فحملتها أمها في سيارة أجرة متجهة بها إلى أقرب مستشفى، بينما عبدالحميد لم تهتز شعرة من رأسه. حمل حقيبته متجهاً إلى قارب صغير يحمل خمسين فرداً فقط، بعدما باع كل ما يملك.

وبعد أن استعادت علياء صحتها، عادت إلى البيت تبحث عن ذهبها، وكانت اللطمة الكبرى حين صرخت:

– أخدت الدهب يا عبدالحميد؟!

القارب في عرض البحر يميل يُمنةً ويُسرةً، والخوف يبث سمومه في جسد عبدالحميد. يفكر في علياء وأطفاله الأربعة، ثم تسري برودة في وجهه، فيلف جسده بالحقيبة، كنوعٍ من البحث عن الأمان، ولو كان هذا الأمان في جماد يطمئننا أو يحمينا من لفحة البرد.

صوت صراخ شق البحر إلى نصفين؛ نصفٌ غطى جسد عبدالحميد، والنصف الآخر ابتلع أمله. ثلاثة أيام يصارع الموت، مرة يسقط في قاع البحر، ثم يصعد ويعاند ليبقى على قيد الحياة. مرّ شريط ذكرياته مع علياء، وكيف كان اختيار القدر. لم يكن صراخ عبدالحميد وحده وسط قاع البحر، بل امتد الصوت ليلحق بأصدقائه. هل تتخيل هذه اللحظة التي يمكن أن نراها في أفلام السينما فقط؟ كان يظن أن البحر أرحم من البيت.

عاشت علياء وحيدة، تبحث عن عبدالحميد، سألت القريب والغريب، وتوقعت أنّ الموت صار ملتصقاً بجسد زوجها، لكن خيبة ظنونها لم تُفلح في رحلة البحث، ولم تجد مقابلاً لحياتها سوى أن تعرض أطفالها الأربعة للبيع.

اتجهت صباحاً إلى ميدان التحرير، وقبّلت أطفالها الذين كانوا يرتعشون برداً. لم تشاركهم قرارها، وكانت أعينهم معصوبة، وعند وصولها إلى الميدان فكّت العصبة، ثم رفعت لافتة كُتب عليها:
“أطفال للبيع”.

شعر الطفل الخامس ببرودة تسري في جسده، نظر إلى عيني أمه الخائفة، ثم أمسك بطرف جلبابها وبكى، فأغلقت عينيها بحثاً عن عبدالحميد في مخيلتها.


*قاصة وشاعرة – استراليا


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق