ميَّادة مهنَّا سليمان – سورية 

السيَارةُ الكبيرةُ أمامَ مدرسةِ (الشَّهيد عاصم سامي عامر) في الحجرِ الأسودِ بريفِ دمشقَ، والعمالُ يُنزِلونَ عُلبَ الجُبنةِ الدانماركيَّةِ اللذيذةِ.

– أمممم… ما زالَ طعمُها في فمي رغمَ مرورِ كُلِّ تلكَ السَّنواتِ!

قلتُ ذلكَ وأنا جالسةٌ على سريري قُبيلَ النَّومِ، أُمسكُ ألبومَ الصُّورِ، وأتأمَّلُ صورتي وأنا في الصَّفِّ الرَّابعِ بِمَريوليَ التُّرابيِّ اللونِ، وفولاريَ الكُحليِّ ذي الخطِّ الأبيضِ.

آهٍ، يا ليتني أعودُ طفلةً في العاشرةِ مِنْ عُمري، أنتظرُ مرورَ المُعلِّمةِ (نصرة السَّريع) لتصحِّحَ لي موضوعَ التَّعبيرِ، وتربِتَ على شَعري، ثم تقولُ لي بِلُطف:

– مواضيعكِ حلوة، اطلعي اقرئي!

آهٍ يا آنسة نصرة، ليتكِ ترينَ طالبتَكِ الآنَ، لقدْ كبرَتْ وصارَ لديها مؤلَّفاتٌ. وليتَني أجلسُ على ذاك المقعدِ أنتظرُ قطعةَ الجُبنةِ الَّتي توزِّعينها علينا قُبيلَ انتهاءِ الحصَّةِ الثَّانيةِ مع رغيفِ خبزٍ صغيرٍ، وفي يومٍ آخرَ يكونُ دورُ المرتديلا الَتي لم أكن أحبّها، فأكتفي بأكلِ الرغيفِ فقط.

كنتُ أشعرُ يومها أنني في مدرسةٍ خاصةٍ، وأتفاخرُ أمامَ أبناءِ أقاربي في مُحافظاتٍ أخرى بتلكَ الوجباتِ، وبالحليبِ الَّذي يُوزعُ علينا أسبوعياً، وباللبنِ بطعمِ الموزِ أو الفريزِ، مع كيسِ تمرٍ صغيرٍ سنوياً.

وحينَ يقولونَ لي:

– نحنُ لا يُعطونَنا وجباتِ طعامٍ مِثلكُم!

أزدادُ فخراً وزهواً بِمدرستي، وأقولُ لهم:

– أنا أدرسُ في مدرسةٍ تابعةٍ لتربيةِ القنيطرة، لذلكَ نحنُ مدعومونَ بالطعامِ.

يا الله… ما زلتُ أذكرُ جلاءاتي المدرسية، وعليها اسمُ القنيطرةِ الحبيبةِ!

ها هي ذي صورةٌ أخرى لي، وأنا في الصفِ السادسِ مع صديقاتي في رحلةٍ مدرسيةٍ إلى قلعةِ الحصنِ. كانت تلكَ الرحلةُ أبعدَ رحلةٍ يأخذوننا إليها، فمعظمُ رحلاتِنا كانتْ إلى غوطةِ دمشقَ أو إلى شلالاتِ تلّ شهاب.

آهٍ… سأوقفُ تأملَ الصورِ، أنا مُتخمةٌ بالذّكرياتِ!

تنهَّدتُ كمنْ نزلَ عليهِ مطرُ السَّماءِ فأنعشَ قلبَهُ، وقررتُ أن آويَ إلى النَّومِ، فالنعاسُ بدأ يراودُ عينيَّ عن نفسيهما.

فجأةً تسمَّرَتْ عينايَ على الرُّوزنامةِ قُبالةَ سريري. كانتِ الورقةُ تحملُ رقمَ عشرةٍ منَ الشَّهرِ الميلادِيِّ. هل أرى جيداً؟

الرقمُ يبتسمُ لي، يتحركُ، يخرجُ منَ الورقةِ… يا إلهي، إنهُ يقتربُ منّي!

قلتُ برعبٍ وأنا أُشيرُ إليهِ بِسبّابتي:

– هيّا، عُدْ إلى الرُّوزنامةِ بسرعةٍ، ماذا تُريدُ مِني؟

قهقهَ قائلاً:

– لا تخافي، لا تخافي، أتيتُ لأسلّيكِ. ما رأيُكِ أنْ تلعبي معي لعبةً اسمُها (زائد عشرة)؟ ستفرحينَ بها، وتستمتعينَ!

بقيتُ مذهولةً، فقالَ واثقاً من نفسِهِ:

– هيّا، أغمِضي عينَيكِ، وزيدي عشرةً على عُمرِكِ في الصُّورةِ التي رأيتِها قبلَ قليلٍ، وأنتِ في الثانيةَ عشرةَ من عُمركِ، وأخبريني ماذا ترينَ أو تتذكَّرينَ؟

بِلا شعورٍ، أغمضتُ عينيَّ، ورأيتُ نفسي في الثَّانيةِ والعشرينَ من عُمري. أنا الآنَ مُتخرِّجةٌ من جامعةِ دمشقَ، قسمِ اللغةِ العربيَّةِ.

آهٍ يا الرقمُ عشرةُ، كمْ كانت لحظةً جميلةً!

كنتُ أتهيَّأُ بعدَها للدِّراساتِ العُليا، وكانتْ أكبرَ هُمومي أيامَها الامتحاناتُ وحلقاتُ البحثِ. ليتني بقيتُ على ذاكَ المقعدِ في المُدرَّجِ الأولِ، حيثُ انهمرَ عليَّ رُهامُ الشّعرِ مرّةً، فكتبتُ قصيدةً في محاضرةِ النّحوِ لأستاذي، كانتْ عن ربطةِ عُنقهِ المُلوَّنةِ.

أبقيتُها عدّةَ أشهرٍ، لم أجرؤ أن أعطيَهُ إيَّاها مخافةَ أن يظنَّ أنِّي أتودَّدُ إليهِ منْ أجلِ العلاماتِ، لذلكَ انتظرتُ حتى ناقشَ لي حلقةَ بحثي، وأهديتُهُ إيّاها.

أعجبَتهُ كثيراً، ووَعدَني أنْ ينشرَها لي في صحيفةِ البعثِ، فتشجَّعتُ، وكتبتُ لهُ بعدَها ثلاثينَ قصيدةً، لكنَّهُ صارَ ينتقصُ منْ علاماتي مع أنِّي كنتُ مجتهدةً، وظلمَني في مادَّةِ (فقهِ اللغةِ).

بكيتُ كثيراً يومَها، وكبرتُ وما زلتُ أحملُ جرحي في قلبي، وأتألَّمُ.

– أرجوكَ، أرجوكَ… لا أريدُ أن أتذكّرَ بعدُ شيئاً!

حزِنَ الرقمُ عشرةُ، وقال لي:

– طيّبْ… زيدِي عشرةً أخرى، لعلَّكِ تفرحينَ!

– لا، لا… اذهب أرجوكَ!

لكنهُ رفضَ الذهابَ، وقال:

– جرِّبي يا بنت الحلال، لعبتي مُسلّيةٌ!

استسلمتُ للُعبتِهِ، ورأيتُ نفسي في عمرِ الثَّانيةِ والثَّلاثينَ. كنتُ أقيمُ في القامشلي، في مساكنِ الضبّاطِ، في حيِّ الغربيَّةِ. عندي بنتٌ وصبيٌّ، أمَّا الطفلُ الثالثُ فقدْ ألهمني اللهُ أنْ أُنجبَهُ في الحربِ.

كانَ ولدايَ الأكبرُ منهُ يذهبانِ إلى مدرسةِ مار أفرام للطَّائفةِ السِّريانيَّةِ، وكنتُ أدرّسُ وقتَها في ثانويَّةِ الحمدانيَّةِ للذَكورِ، لذلكَ لمْ أكنْ أستطيعُ أن أوصلَهُما إلى المدرسةِ، فاستأجرَ أبوهُما لهُما سيارة.

كانَ أبو رودي الكُرديُّ رجلاً أميناً يُوصِلُهما، لكني أمٌّ تخافُ على أولادِها، لذلكَ بدأتِ الوساوسُ تأكلُ قلبي:

ماذا لو استهدفَ أحدُ الإرهابيينَ سيارةَ أبي رودي؟

ماذا لو خطفَهُما أبو رودي وطلبَ فِديةً، ولا سيما أننا منَ الموالينَ؟

عندها قرّرتُ أنْ أُنجبَ طفليَ الثَّالثَ، وتبيَّنَ أنَّ اللهَ أرادَ أنْ يُبصِّرني بمستقبلٍ مُرعبٍ ينتظرُني، فرزقَني صبياً آخرَ.

– إلى هُنا يكفي… تصبحُ على خيرٍ يا رقمَ عشرةٍ!

استدرتُ لأنامَ على جنبي الأيمنِ، ففوجئتُ بهِ ماثلاً أمامي، يشدُّ الغطاءَ عنِّي، وهوَ يقولُ:

– لا تنامِي، ما زالتِ السَّهرةُ في أوّلِها! زِيدي عشرةً واحدةً على السَّابقةِ، أرجوكِ!

تجاهلتُ إلحاحَهُ، فأنا أعلمُ أيَّ وجعٍ تُخبِّئُهُ ليَ العشرةُ المُقبلةُ.

لكنهُ قال بِتودُّدٍ:

– زِيديني، زِيديني… طيّبْ، شو بتخسري؟

نظرْتُ إليهِ بِألمٍ كبيرٍ، وقلتُ بانكسارٍ:

– أخسرُ ابنيَ الأوسطَ!

طأطأَ رأسَهُ خجلاً نادماً، وشعرْتُ أنهُ يودّ لو يسألُ: كيفَ؟ ومتى؟

لكنهُ، احتراماً لِمشاعري، توّجَ بالصَّمتِ.

فقلتُ لهُ:

– لا بأسَ… أنا الآنَ في الثَّانيةِ والأربعينَ من عُمري، أجلسُ في منزلي الصَّغيرِ بدمشقَ، أضمُّ كنزةً قُطنيَّةً لابنِي يوسفَ، أشمُّها، وأبكي بألمٍ.

أسترجعُ ذكرياتي قبلَ عامينِ مِنْ مَجيئي إلى دمشقَ، تحديداً في الخامسِ والعشرينَ من أيّار. كُنّا في شهرِ رمضانَ المُبارَكِ، وكان قد تبقّى لهُ عشرةُ أيامٍ فقط.

قاطعني الرقمُ عشرةُ قائلاً:

– يعني أنا!

ابتسمتُ بمرارةٍ، وقلتُ لهُ: نعم، أنتَ، وكي تبتهجَ بنفسِكَ أكثرَ، أُخبركَ أنّ ابني ظلّ عشرةَ أيامٍ في غيبوبةٍ، قضاها في أحدِ مشافي القامشلي.

دمعَتْ عينايَ، فاقتربَ منِّي، وقالَ بحزنٍ:
آسفٌ واللهِ، أنتِ تبدينَ لي مُبتسمةً دوماً، ترفلينَ بثيابٍ ملوَّنةٍ أنيقةٍ، وتكتبينَ عنِ التَّفاؤلِ، فلم يخطر في بالي أبداً أنكِ تحملينَ في قلبِكِ كلّ هذا الحُزنَ، وربّما من أجلِ ذلكَ كتبتِ يوماً:
“وحدَهمُ العُراةُ منَ الإنسانيَّةِ، لا يرَونَ ثوبَ حُزنِكِ الشفّافَ!”

هززْتُ رأسي أوافقُهُ، واستأنفتُ كلامي بتأثُّرٍ:
كانَ ملاكي يوسفُ، في ذاكَ اليومِ الأليمِ، يتهيّأُ عندَ الخامسةِ عصراً للذهابِ إلى السوقِ وشراءِ ثيابِ العيدِ. كانَ الوحيدَ الذي لمْ أشترِ لهُ، فقلتُ لهُ:
أنا مُتعبةٌ من الصيامِ، اذهب مع أبيكَ، واشترِ ما تشاءُ!

ثمَّ حدثَ ما لا يُمكنُ لقلبٍ بشريٍّ أنْ يحتملَهُ!

قالَ الرَّقمُ عشرةُ:
حادثُ سيارةٍ؟

أجبتُ بقهرٍ:
بل طلقةٌ غادرةٌ عاجلتْهُ، واخترقَتْ رأسَهُ. لا أستطيعُ أن أشرحَ لكَ، فالألمُ يكمنُ في التفاصيلِ الصغيرةِ. كلّ ما أستطيعُ قولَهُ أنّ أقسى لحظاتِ حياتي وجعاً كانت حين رأيتُهُ ممدَّداً على الأرضِ مُضرّجاً بدمائِهِ!

عندها نُقِلَ إلى المُستشفى، وكنتُ يومياً أنتظرُ الأذانَ، أتناولُ طعامَ الفطورِ، ثمّ أذهبُ إليهِ لأجلسَ ساعاتٍ قربَ سريرِهِ في المُستشفى، أقرأُ القرآنَ، أدعو، أبكي، وأمدّهُ بالطَّاقةِ الإيجابيَّةِ. كنتُ أعتذرُ منهُ عن كلّ مرّةٍ وبّختُهُ فيها، لكنّ أملي خابَ في استيقاظِهِ منْ غيبوبتِهِ؛ فقد تعطَّلتِ المنفّسةُ، وأحضروا ثانيةً لم تعمل، وثالثةً لم تعمل أيضاً!

ويوسفُ الجميلُ كان مُستعجلاً… رحلَ إلى هناكَ قبل أن يلبسَ ثيابَ العيدِ، وقبلَ أن يتقدّمَ لامتحانِ الصفِ التاسعِ الذي كان قد تبقى لهُ عشرةُ أيامٍ فقط!

نظرتُ إلى الرقمِ عشرةَ وأنا أقولُها، فوجدتُهُ يبكي.

اعتذرَ منِّي، واستأذنَ في الانصرافِ قائلاً:
تباً لي، لن ألعبَ هذه اللعبةَ مُجدّداً مع أحدٍ، فأنتمُ البشرُ لديكم أماكنُ مُغلقةٌ في قلوبِكم لا يراها العُميانُ، وإنَّما ذوو البصيرةِ، وأنا لستُ منهم، أنا مجرّدُ رقمٍ بلا مشاعِرَ، فاعذريني، وداعاً!

بكيتُ كثيراً، وفجأةً استيقظتُ. مسحتُ دموعي، وكانتِ الشمسُ مُشرقةً. التفتُّ يُمنةً ويُسرةً، فلم أجد شيئاً. نظرتُ إلى الرُّوزنامةِ، فرأيتُ الرقمَ عشرةَ، لكني بقيتُ متأثِّرةً بالحُلمِ، فنهضتُ على الفورِ، ونزعتُ الورقةَ مخافةَ أن يعودَ.

تذكّرتُ موعدي مع طبيبِ الأسنانِ، فأمسكتُ موبايلي، وكانتِ الساعةُ العاشرةَ وعشرَ دقائقَ. تململتُ وأنا أقولُ:
وبعدين مع الرقم عشرة؟ ما هذهِ المُصادفاتُ العجيبةُ!

على أيّةِ حالٍ، مازالَ الوقتُ باكراً على الموعدِ، سأجلسُ وأكتبُ رسائلي المعتادةَ إلى يوسف.

حبيبي يوسف:
اليومَ نزعتُ ورقةَ كبرياءٍ جديدةً عن روزنامةِ اشتياقي، ومازلتُ لا أعلمُ لماذا لم يستطع أحدٌ – حتى الآن – أن يخترعَ مقياساً للحُزنِ، ولماذا لم يستطع أحدٌ أن يصلَ إلى الطَّبقاتِ الجيوحُزنيَّةِ لأعماقِ القلبِ؟

حبيبي الجميل:
أمُّكَ الصَّابرةُ مازالتْ ترتدي ثوبَ الإيمانِ، لا ثوبَ الحِدادِ الأسودِ، فثوبُ الإيمانِ لا يبلى، وإن أصابتهُ مِزَقٌ لا تُرقّعُ، وإن رُقِّعَتْ صارتِ الرّوحُ عاريةً!

وكالعادةِ، قبلَ أن أُكملَ رسالتي، ينهمرُ فيضُ الدّمعِ، فأعانقُ الورقةَ وأبكي… أبكي كطفلةٍ في العاشرةِ من عُمرِها، لكن حزنَها عجوزٌ هرِمٌ لا يموتُ!


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق