مصطفى التركي
إنّ ما يحتاجه الشاعر لا يمكن حصره في مقال واحد أو كتاب واحد؛ فعن أي شاعر تتحدث؟ وأي عصر تقصد؟ وأي موقف تريد؟
لكن توجد بعض القواعد التي يمكن أن نعممها لأنّ وجودها مهم لدى الكثير. من يستشفّ يعرف، وهكذا هي الأمور.
التأمل
في أول ورشة شعرية لي، تكلم الشاعر الذي يدير الورشة عن كتاب “صنعة الشعر” لـ خورخي لويس بورخيس، ثم ذكر فائدة التأمل في فتح أبواب اللاوعي ليُخرج منها المواد الخام للكتابة.
يمكن أن تترك نفسك للتفكير، لكنه ليس تأملاً. الفرق بين التفكير والتأمل أنّ الأول يكون بسبب، أما الأخير فبدون سبب.
تتأمل الوردة وتتساءل: لمَ وُجدت باللون الأحمر؟ وتقارن بينها ـ دون قصد ـ وبين أحمر الشفاه والوجنات وباطن الأيدي وأرنبة الأنف في الشتاء.
ألا ترى أنّ هناك خيطاً دقيقاً جداً يصل بين هذه المتجاورات، ألا وهو الاحمرار؟
يمكنك معرفة بداية قصيدتك بالتأمل، أو الكتابة من خلاله إن وُجد المتأمَّل المناسب، أو حتى إذا تأملّت في اللاشيء؛ ستجد حتماً طرف الخيط.
خوض التجارب
هناك طريقتان أراهما لخوض التجارب:
إما أن تكون فيها، وإما أن ترسمها كاملة في خيالك بكل صدق.
وهذا الأخير هو ما يمكن أن نسميه بالصدق الفني؛ حيث لا يشترط أن تخرج من فراق لتُعبر عنه، يمكنك أن تعرفه، تتخيله، ثم تصفه وصفاً خارجياً كانزلاق الماء على الزجاج.
القراءة
بالقراءة يتنفس الشاعر.
هي الماء للسمكة الشعرية، وهي الأجنحة لقصائد الطيور.
تُكمل رؤيته للعالم، وتُغذي قصيدته كي لا يصيبها الهزال والأنيميا، وتلمّع الأحرف.
هي المعين بعد الموهبة، والعكاز عند الإصابة في منتصف الكتابة أو بدايتها أو آخرها.
ترمي حجر الفكرة صوب سباطة النخلة فتتساقط الأبيات.
هذه النخلة هي القراءة العمودية التي كبرت وتماسكت بفضل مجهودك في العناية بقصيدتك.
ستتذوق تمرها أنت أولاً، ثم تهدي المتلقي ما لذّ وطاب.
اقرأ أيضاً
نايُ الروحِ الغريبة: في معنى الشِعرِ وحقيقتِه
حجر كنعاني في البحر الميت
أمنيةُ صباحٍ هادئ
فلسطين: الأرض، الإنسان، والقصيدة
كيف تكتب بصدق وتأثير عاطفي؟
أدوات مهمة
المعجم
لا شك أنّ للمعجم تأثيره القوي في الكتابة؛ قبل الكتابة، وأثناء الكتابة، وبعدها.
فقبل الكتابة أنت تشرب الكلمات وتزيد من حصيلتك اللغوية، فتجد الأفكار أوعيتها اللغوية المناسبة.
وأثناء الكتابة تفكر وتستذكر وتتفحص المعاجم لتجد الثوب المناسب للفكرة.
وبعد الكتابة ربما تتفكّر ملياً: هل هذه اللفظة هي ما أريده؟
البلاغة والنحو والصرف وعلوم اللغة
يجب أن تُفرّق بين الحقيقي والمجاز، وتكتب بتشكيل صحيح، وتنطق بمخارج مضبوطة.
وتبحث عن أصل الكلمة وتصريفها لتأخذ ما تريد في الوقت المناسب.
هذا باختصار شديد جداً جداً جداً.
صبغ الحروف بالمشاعر أو النفخ فيها
يمكنك أن تجد قصيدة فكرية، فلسفية، اجتماعية، سياسية، عاطفية، رومانسية، هجاء، مدح، رثاء…
لكن لن تجد قصيدة خالية من المشاعر.
أرى أنّ الشعر لا يُكتب إلا بالشعور.
أنت كصانع الزجاج؛ تُدخل المعنى في فرن الزجاج وتنفخ فيه من روحك، ثم تُخرجه وتُشكّله وتصبِغه وترسم عليه.
هكذا هي العملية الإبداعية.
الدوران حول الموضوع أو الفكرة أو الشعور دون لمسه
لا أقصد هنا القصيدة الدائرية البناء التي تنتهي مثلما تبدأ، بل أقصد الإيحاء:
لا تصرّح بشيء، ودع الأمر للتأويل.
الموسيقى والسينما والتغذية السمعية والبصرية
إن تداخل الفنون شيء بارز منذ قدم الزمن؛ فالشعر والرواية يأخذان من بعضهما البعض ويكملان بعضهما البعض.
لكن حديثنا هنا عن التغذية السمعية والبصرية.
فكم من مشاعر يستعصي على الكاتب التعبير عنها في وقت ما، وتساعده الموسيقى أو مشهد سينمائي في العثور على المعادل الموضوعي لما يبحث عنه؟
هذه هي الخلاصة.
أثناء الكتابة
الابتعاد عن المشتتات.
والمشتتات هنا خارجية وداخلية.
عليك أن ترى صفحة بيضاء أمام عينيك فقط، ويجب أن تزرع فيها قصيدتك.
بعد الكتابة
يأتي دور التنقيح.
احذف من قصيدتك الزوائد الشعورية والفكرية واللغوية.
هذّب طباعها.
اجعلها محايدة؛ لا محايدة الموقف، بل محايدة في الظهور.
لا هي في الظل ولا في النور.
اجعل الإضاءة خمسين في المئة كما تفعل مع هاتفك.
كن صبوراً، وتريّث قبل أن تُخرجها للعالم.
نقّحها مرة أخرى.
دعها تُحلّق بمفردها.



أضف تعليق