ماذا لو لم يحمل قلبك سوى الحب؟

رنا ناصر

أيام الجامعة كنتُ مشتركة في فريق المسرح. حظيتُ في أول عرض لي بثلاث جمل فقط لكني كنتُ سعيدة بهم، وكنتُ سعيدة أكثر بزملائي أبطال العمل، تحديداً “أحمد أبو زيد”. كان “أبو زيد” ممثلاً موهوباً، وقد قدم في هذا العرض دوره الأفضل على الإطلاق في الجامعة. وفي ليلة العرض انبهر به الجميع: الجمهور وأعضاء لجنة التحكيم، فراهنا أنه سيحظى بلقب أفضل ممثل لهذا العام. جاءت ليلة الختام بحضور جميع فرق الجامعة، وكانت اللحظة المنتظرة التي نطق فيها الأستاذ طارق الدسوقي رئيس لجنة التحكيم باسم أفضل ممثل في المهرجان الذاتي، وكان “أحمد أبو زيد”. أثناء صعوده لاستلام الجائزة هتفتُ مع فريقي باسمه كما لم أفعل من قبل، لدرجة أني عدت إلى المنزل في هذا اليوم وقد بُحَّ صوتي، كنتُ أشعر أنني من حصلتُ على الجائزة؛ لإيماني الشديد بموهبته حينذاك.

من الأوقات التي أشعر فيها بإنسانيتي عندما أستطيع مشاركة الآخرين أوقات مرورهم بمشاعرهم المختلفة محبة ليس إلا، فثقل أعباء الحياة تجعلنا لا نرى سوى أنفسنا، وبسببها نختار أنفسنا أولاً كي نعيش أو كما نظن أننا لن نعيش إلا كذلك.

في إحدى المرات قلتُ لصديقة أخرى مقربة مني حلمها أن تصبح ممثلة مشهورة، وكنتُ في ذلك الوقت أسعى أنا الأخرى أن أصبح صحفية، قلتُ لها “أتعرفين؟ لو حققتِ حلمك، ولم أصل لهدفي، سأكون سعيدة كما لو كنتُ أنا من حققتُ حلمي” ربما أبدو هكذا أنني متخاذلة في تحقيق أحلامي أو مثالية، وأنا لستُ تلك أو هذه، لكنني فقط أحب مشاركة الآخرين مشاعر النجاح والفرحة، ولا أخفي عليكم سراً فهذه المشاعر تقربني من ذاتي التي أحبها.

الأقرب إلى قلبي..

“هديل” صديقتنا وزوجة صديقنا “أشرف” هي سيدة أعزها للغاية، لأنها تمتلك الكثير من اللطف الذي يظهر في جلساتنا مع الأصدقاء التي تُهوّن علينا ما نمر به، لكن لا مانع من أن يصعد أحدنا “المسرح” بلغة جيل التسعينيات كنوع من الدعابة و”النكش”، فيقوم الجالسون بتوجيه طاقة الحديث إلى أحد الموجودين بطريقة تجعله محاصر، ولا يستطيع الرد. هنا تتدخل هديل بكل رقة. فنجد في حديثها مساندة للشخص المحاصر إذا ما وُجّه إليه حديث يحرجه ولا يستطيع الرد عليه. تضحك على نكاتنا، وتتفاعل مع أحاديث الجميع بألطف طريقة. كل هذه الأمور هي ما جعلت منا صديقتين، فجذبتني رقتها واللطف الشديد الذي تتمتع به معي ومع الآخرين، ورغم أننا لم نتقابل منذ وقتٍ طويل لكن دائماً ما أذكرها بصفتها المحمودة هذه، وكلما أقابل أحدهم ممن لا يتهاونوا في جرح مشاعر الآخرين على أتفه الأسباب إلا وأتذكرها قائلة “ليه يارب الناس مش كلها هديل”.

أعتقد أنني أمتلك جزء صغير يشبه صديقتي، فعندما كانت لدي طاقة اجتماعية أكبر من التي لدي الآن، وكانت تسمح لي بالتجمع مع عدد كبير من الأصدقاء، كنتُ لا أترك أحداً يجلس معنا دون أن يشارك في الحديث أو غير مندمج لأنه انطوائي أو خجول. لا أقاطع أحداً في حديثه حتى لو ليس مهماً بالنسبة إليَّ؛ كنت أستمع للجميع على حد سواء، فربما تكون هذه الفرصة الوحيدة لأحدهم للتعبير عن نفسه.

لا أعرف إذا كانت هذه السمة جيدة أم لا لكني أحب مشاركة الآخرين مشاعرهم بمحبة خالصة؛ أستطيع أن أسعد بنجاحات الآخرين كما أسعد لنفسي بل وأشعر إنه إنجاز ذاتي أيضاً. كذلك إذا قدم إنسان خدمة إليَّ مهما كانت صغيرة أو ساهم بأي شكل في نجاح مهمة لي أدين له بالفضل، وأعترف به أمام الجميع كلما سنحت الفرصة.

الأكثر بُعداً عني..

وعلى العكس من ذلك رأيتُ أنّ أموراً لدي الفضل في إنجازها، لا يُنسب فضلها إليَّ بأية صورة، وآخرين كان سهل عليهم جرح مشاعري دون أدنى إحساس بالذنب. لا أعرف ما إذا كان العالم ينسى بهذه السرعة أم أنّ الإنسان الذي لا يستطيع التحقق بمجهوده الشخصي يقرر التحقق من خلالنا؟ ورغم أنني أؤمن بما تقوله الآية الكريمة “لا تنسوا الفضل بينكم” لكن أيضاً أردد دائماً على مسامع أصدقائي أنّ العالم لا يدين لنا بشيء؛ فليس معنى أننا أشخاص جيدون وغير مؤذين أننا لن نُؤذى. وربما أننا نحاول أن نكون أشخاص جيدين حتى نستطيع أن نحب أنفسنا عندما ننظر في المرآة.


اقرأ أيضاً
الخوف من الثلاثين
المعطف: سيمفونية البؤس الإنساني وولادة الواقعية الروسية
سماءٌ بلا أيادي بشرية
رفيق الطريق


فكلما راودتني أفكار شريرة بخصوص من حولي أو عندما أشعر بالغيرة من أحدهم، وحمل قلبي مشاعر حقد أو حسد تجاهه -خاصة لو كان صديق- أعنّف نفسي قائلة “فُوقِي” هذا صديقنا العزيز، من فعل من أجلنا كذا وكذا، كيف نشعر هكذا تجاهه؟! أو كيف يمكن أن نؤذيه على أثر هذه المشاعر؟! وأردع كل أفكاري الشريرة.

فالمحبة الحقيقية الخالصة هي ما تجعلني أفعل ذلك. فالحياة تصبح أخف عندما تسيطر هذه النوعية من المشاعر عليك وعلى الدائرة المحيطة بك. أبحث عن المحبة الحقيقية كل يوم تقريباً سواء من الآخرين تجاهي أو في قلبي تجاههم. فأتذكر جملة قرأتها في مذكرات صديق لي “للعالم كله، لم أحمل سوى الحب”.

قابلتُ الكاتب والروائي العراقي محسن الرملي في معرض الشارقة الدولي للكتاب، ولمن لا يعرف فمحسن الرملي هو الأخ الأصغر للكاتب الراحل حسن مطلك، وهو محرر كل كتبه التي ظهرت للنور. عندما أخبرته عن مدى تأثري بموت أخيه بالإعدام شنقاً على يد صدام حسين، ومدى تأثري باهتمامه أن يقرأ العالم كتابات أخيه، فقال لي “لو لم أكن أخاً لحسن مطلك ربما كنتُ سأكتب وأقدم أعمال أكثر من هذه بكثير، فأنا أقدم عمل لي وعمل له كلما سنحت الفرصة، ولكن أيضاً أفكر أنّ حسن لو لم يكن أخي ربما ما كنتُ أهتم بالكتابة بهذا القدر، فهو من علمني أهمية الكتابة وحبها” مشاعر محسن الرملي هذه تعبير وتلخيص لكل ما ذكرت، فهي مشاعر محبة خالصة، واعتراف بالفضل، واهتمام بالآخر كاهتمامه بنفسه، مشاعر خالية من الأنانية والغيرة، مشاعر جعلت عيناي في لحظة استماعي لحديثه اغرورقت بالدموع.

هنا...
تتحول المشاعر إلى قصائد

شارك في دعم الكتابة الإبداعية

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق