عبداللطيف لفتات

لطالما كنتُ مشدوهاً إلى كل الأشياء حولنا…
التي تتناثر حول زوايا حياتنا… أشياء صغيرة لا ترفع صوتها، لكنها تلمع كذكريات بعيدة…
نمشي بينها دون انتباه، نلمسها ثم نمضي، وكأننا نمرّ على قلوب صامتة لا تعرف كيف تبوح.

لكنني كنت أعتقد – ولا أزال – بأنّ بعض الأشياء هي الشاهد الصامت على مرورنا، على ما انكسر فينا وما التأم، على ما قلناه دون كلام.
كثير من الأشياء – تبدو لي – أنها تعرفنا جيداً رغم عدم مبالاتنا.

الكوب الذي شربتُ فيه قهوتي ذات صباح بعيد، ما زال يحتفظ برائحة الحنين…
المرآة التي تنعكس فيها وجوهنا، تبتسم أحياناً لنا وتعاتبنا أحياناً أخرى، كأنها تلومنا على تغير ملامحنا.
والكرسي البلاستيكي الذي نعود إليه كل مساء، أُدرك أنه يعرف كم هو كبير حجم تعبنا، ويعي تماماً ثقل أرواحنا أكثر منا.

الأشياء ليست جمادات، بل كائنات تنبض بالحياة، مثلنا، ولها ذاكرة كبيرة تسجل فيها ذكرياتنا.

_____________________

بعض الأشكال تُبهرني أيضاً…

فأسائلها: كيف تهمس بما لا يُقال؟ وكيف تجيب حتى من دون سؤال؟

أشعر أنّ كل شكل حولنا يتحدث بلغات كثيرة…
لكن القليل منا من يعي ويسمع.

البنايات القديمة والآثار تذكّرنا بالصرامة، والطُرقات المنعرجة بالمرونة واللين، والضعف الجميل.
أما الأشجار الكثيفة، فهي جروح قديمة في جسد المكان.

تأمل ذلك الكوب الزجاجي، تأمل صفاءه ونقاءه…
ستعرف حينها – ولا بد – بأنّ الشفافية ليست ضعفاً، بل هي الشجاعة في أن تكون واضحاً.

انظر إلى الجبال الشاهقة الصلبة، ستدرك أخيراً أنّ الصبر ليس خسارة، بل فعلاً عظيماً من أفعال الخالق في الزمن.

حتى الورقة البيضاء التي تنتظر الكلمات…
تشبه القلب قبل التجربة: صافٍ… لكنه يتهيأ للامتلاء.

______________________

نحن نعيش بين أشكال كثيرة وأشياء أكثر، لكننا لا نصغي إليها…
نستهلكها ثم نرميها، كما لو أنها بلا ذاكرة، وبلا حياة.

غير أنها تظل تحفظ أسماءنا…
وتتذكرنا حين غيابنا، كما يتذكر الطريق خطانا وإن طال الفراق.

شكل الغيمة يذكّرنا بأحلام الطفولة، وشكل الباب المغلق يحكي قصة انتظار طويل…
وشكل الظلّ الذي لا يظهر إلا عندما يجد الضوء، كأنه يقول:

لا معنى للغيبة دون عودة،
ولا للنور دون ظلمة تسبقه.

_______________________

نحن أيضاً أشياء وأشكال، ولكننا أشياء تنبض…

نولد في شكل، ونموت في شكل آخر.
نعيد تشكيل ذواتنا كما تُعاد صناعة الفخار من الطين ذاته.

الأشياء تعلّمنا الثبات، والأشكال تعلّمنا التغيّر.
وبين الثبات والتغيّر، يعيش الإنسان باحثاً عن ملامحه في مرايا الكون.

في ذاكرتي، العالم ما هو إلا لوحة من أشياء وأشكال…
كل شيء فيه يحكي عن شيء آخر.
وكل شكل يملك قلباً يخفق…

لكننا نحتاج فقط أن نصغي… ونبصر…
بقلوبنا.

______________________

في النهاية…

أنا مدرك جيداً…

بأنّ الحياة ما هي إلا معرض كبير…
من أشياء وأشكال.

الأشياء تذكرنا بما كنا، والأشكال تذكرنا بما يمكن أن نصير إليه.

وأنّ الأشياء ليست سوى انعكاس لذواتنا…
أما الأشكال فهي وجوه مختلفة للحقيقة الواحدة:

أننا نعيش في عالم يسمع… ينبض… ويتكلم.

لكن صوته لا يُسمع إلا لمن يُصغي بقلبه…
ويرى ببصيرته.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق