فرح الخطيب

عند السَّحر؛ في وقتٍ ما بين اندثارِ الظَّلام وانبثاق النُّور، تسير حافيةً، تجرُّ قدميْها كَسَيرِ من أثقلته الحياة، أو كَسَيرِ من أثقلته نفسُه.

تحسُّ بحبَّاتِ الرِّمال تداعب قدميها كشيءٍ لطيفٍ في خِضَمِّ هذه المهزلة العبثية!

وتجلسُ هناك وحيدةً، أمام اللجةِ المتلاطمة.
إنّ المرء كلّما أثقلته نفسُه، يلتجئُ لمن يشبهه، ولربما كان في البحر شيءٌ يشبهها.
يرقد ساكناً أحياناً، وفي أحايينَ أخرى يثورُ ويغضبُ.

وهي؛ هي التي في سكونها صخبٌ كثير.
تجثمُ ساكنةً أمامه، وفي داخلها تكثَّفت السِّنونُ، وتكتّلتِ الفواجع.
تنظر إليه تارةً، وتارةً أخرى ترتفع بعينيها للسماء.
ومعزوفةٌ باذخةٌ من هديرِ البحرِ وتنهيداتِها تغتالُ صمتَ المكان!

هنا جلسَتْ؛ وبكت نفسَها.
وبكاها المحيطُ العميقُ معها.
وتقيَّأت حزنَ الفواجعِ كلّها.
وتمرَّدت على الصّمت الثقيل.

وألحدت بقداسةِ الألم الذي أحالَ بكاها إلى العويل.
تمرّدت، وتمرّدَ البحرُ، وثارت فيه شجونُه.

حتى تعالى الصوتُ، وامتزجَ الأنينُ بهديرهِ ونحيبهِ في قصيدةٍ شعريةٍ ترثي التي كانتْ هنا.
تشيّع نفسها، وتقذفُ الجثمانَ في لبّ اللجّ العميق.
ويسكنُ الصوتُ الذي أضحى كعاصفةٍ سحيقةٍ.
وترجعُ الموجاتُ من بعدما خلعَت قلبها المسكين، وتجرّدت من نفسِها.

حتى تراءَى فوقَها الصبحُ الذي تجلَّى يعلنُ الفوزَ الأخيرْ في حربِها الدهريةِ.
كان الغريمُ رفاتَها.
فقد ماتَ الضّحية، وانتصرَ القتيل!


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق