شيرين فكري عثمان*
يُعدّ البحرُ من أروع النّعمِ المُسخّرةِ للإنسان، ودليلٍ ناطقٍ على عظمة الخالق. فعنده يعجز اللسان عن وصف جماله، ويقف العقل مدهوشاً أمام تفاصيله الساحرة.
كثيرون يعشقون الذهاب إليه طلباً للهدوء، فيتأملون مياهه هروباً من ضجيج الحياة وثقلها الذي يصمّ آذانهم حتى الاختناق، وكأنهم يُلقون بين أمواجه ما أثقل أرواحهم. بينما يذهب آخرون إليه رغبةً في الاسترخاء، وهروباً من هموم الحياة اليومية، بحثاً عن لحظة صفاء خالصة في حضرة الغروب أو الشروق، حيث تلتقي السماء بالماء في مشهد يخطف الأنفاس. لكن ماذا يحدث لحظة النظر إلى البحر في أعين كلٍّ منا؟
بعيداً عن أعين الناس وصخب المدن التي تبدو كأنها ملغومة بالآلات والأضواء، تلك القنبلة الموقوتة من الضوضاء والضغوط التي تنتظر لحظة الانفجار، يختبئ تحت هذا الضجيج خطر يهدد راحتنا النفسية. لكن بمجرد أن نحدق في البحر، تنتابنا حالة من الصمت المفاجئ، وكأنّ العالم كله يهدأ دفعة واحدة. تستفيق الذاكرة لأيام من الصفاء الذهني، وتفيض معها مشاعر وأحاسيس متضاربة، يتخللها صراحة جارحة مع النفس، حتى لو كانت من أصعب اللحظات.
فالبحر عالم خاص تلجأ إليه النفس للتجديد، وإعادة ترتيب تفاصيل الحياة، والتخلص من الإجهاد والتوتر والأرق. ومع سماع صوت البحر وحركة الأمواج المستمرة، يحدث تناغم يشبه الموسيقى، كأنها سيمفونية تأخذنا إلى عالم افتراضي أقرب ما يكون إلى الخيال، يصعب الوصول إليه بسهولة. ولهذا العالم أثر علاجي عميق، حيث ترقد فيه أحلام اليقظة بهدوء.
فماذا يخطر على بال البعض بمجرد أن تُسكِنَ نظراتهم أمواج البحر؟
* البعض تعانقه النوستالجيا بحنان، حيث الحنين إلى الماضي وأيام الطفولة بأحلامها البريئة، التي كانت تداعب خيالهم الواسع عبر اللعب في الرمال وبناء قصورٍ صغيرةٍ بأناملهم الرقيقة، دون أن يخشوا غدر المستقبل وأسراره.
* والبعض الآخر يأخذهم البحر إلى ذكريات الماضي، حيث يراجعون كل ما حققوه وما فاتهم على مرّ الأعوام، ويعودون إلى زمن الشباب الخالي من قيود المسؤوليات وهموم الحياة، حيث المرح واللامبالاة مع رفيقي الدرب. ومع عبق الذكريات، تنبعث لحظات الحب الأول، وأول نظرة تخطف القلب، وأول فرحة تملأ الروح، وأول دمعة وهمسة من قلب ينبض بالحب.
* والبعض أيضاً يتأمل البحر كمرآة للنفس، يفتح فيها دفاتر كشف الحساب، ليكتشف في لحظات الابتعاد عن الجميع أشخاصاً رائعين مضوا وكانوا يوماً بجانبه، أو يكتشف وجوهاً خذلته وخابت آماله فيها رغم قربها.
* وهناك من يختلي بالبحر في جلسة خاصة، حيث تتلاطم أفكاره كالأمواج، تحتشد في لحظة وتتلاقى بلا وعي، لتُحلّق في عنان السماء، وتتلامس مع أحلامه القديمة وأمنياته العالقة التي تنتظر الفرصة المناسبة لتتحقق.
وهكذا نحن دائماً وأبداً، سنظل نعشق البحر وتأملاته، ليهمس معه القلب حين يقف شارداً على امتداد الأفق:
“عندما كنا أطفالاً كنا نحلم… وعندما كبرنا أصبحنا نتمنى… والآن أصبحنا ندعو الخالق أن يجمع أحلامنا بأمنياتنا في واقعٍ جميل.”
وأخيراً، هل سيبقى البحر بتأملاته الحالمة مجرد لحظات عابرة، مثل القصور الرملية التي يبنيها الأطفال ثم تبعثرها الرياح؟ أو كما يُقال: “ولنا في الخيال حياة”؟
*كاتبة ومُعِدّة برامج في إذاعة البرنامج الثقافي بالإذاعة المصرية… مصر



اترك تعليقاً