دعاء هزاع الجابري – اليمن
في أحد أزقة شارع “فيا ديل كورسو” في العاصمة الإيطالية روما، حيث تتعانق شرفات الأبنية القديمة مع ضوء الشمس، وحيث تمر خطوات العابرين كأنها موسيقى لا تنتهي، كانت تجلس فتاة صغيرة تدعى إيلينا روسي، ابنة عائلة إيطالية متوسطة الحال. كانت تضع أمامها صندوقاً خشبياً صغيراً امتلأ بالدمى الملونة، والكرات، والسيارات الصغيرة، والألعاب الخشبية التي صنعتها يداها بحب. كانت إيلينا تبيع الألعاب، لكن أحداً لم يكن يعرف أنها في الحقيقة كانت تبيع الفرح.
كان والدها “ماركو روسي” مهندساً مدنياً، ووالدتها “صوفيا” معلمةً للفنون، يحلمان بابنتهما منذ طفولتها أن تصبح مهندسة معمارية، وأن تحمل يوماً اسم عائلتها إلى مباني إيطاليا العريقة. وكان والدها يقول لها دائماً: “أريد أن أراك يوماً ترسمين مبنى يقف الناس أمامه كما يقفون أمام الكولوسيوم”. أما والدتها فكانت تضيف بابتسامة: “أريد أن تكون لك بصمة جميلة في هذه البلاد، وأن يفخر بك كل من عرفك”.
ولهذا كانت إيلينا تقضي ساعات طويلة خلف الكتب، تدرس الهندسة والرياضيات والرسم، وتحاول أن تمشي في الطريق الذي رسمه والداها لها. لكن شيئاً آخر كان يسكن قلبها: الأطفال. فكان قلبها يضيء كلما اقترب منها طفل. وحين كانت تذهب إلى شارع “فيا ديل كورسو” لتبيع الألعاب بعد انتهاء دراستها، كانت الكتب تسقط من ذاكرتها قليلاً، وتفتح الطفولة أبوابها في داخلها. كانت تجلس إلى جوار طفل صغير متردد، فتساعده على اختيار لعبته، وتداعب شعر طفلة كانت تقف أمامها بخجل، وتضحك مع طفل آخر وهو يحاول قيادة سيارة صغيرة بين قدمي المارة. وإذا رأت طفلة تحمل دمية قديمة، منحتها شريطاً ملوناً لتزيّن به شعر دميتها.
لم تكن تبيع اللعبة وتنتهي الحكاية، بل كانت تسأل الطفل: “ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟”. فيجيب أحدهم: “طياراً”، ويقول آخر: “طبيباً”، وتقول طفلة صغيرة: “رسامة”. فتنظر إليها إيلينا طويلاً، ثم تقول: “إذن ارسمي العالم كما تريدينه، ولا تسمحي لأحد أن يخبرك أن أحلامك صغيرة”.
كانت إيلينا تمضي الساعات وهي تداعب هذا، وتضاحك تلك، وتسمع حكايات الصغار، حتى صار بعض الأطفال ينتظرونها في المكان ذاته دائماً. والغريب في الأمر أنها لم تكن تشعر بأنها تضيع وقتها، بل على العكس تماماً؛ كانت تعود إلى منزلها في المساء تحمل صندوق ألعابها الفارغ، وقد امتلأ قلبها بشيء لا تستطيع الكتب أن تمنحه إياها. كانت تشعر بالرضا، لأنها لا تبيع عشرات الألعاب فقط، بل ترسم عشرات الابتسامات. وكانت ترى أن ابتسامة طفل قد تبدو شيئاً صغيراً في عيون الكبار، لكنها في قلب طفل نافذة كاملة على العالم.
ومع مرور السنوات، بدأت إيلينا تدرك أنّ حلمها لم يكن بعيداً عن حلم والديها كما ظنّت. فقد درست الهندسة المعمارية، وسهرت على المخططات، ورسمت الواجهات والنوافذ والساحات، حتى تخرجت وأصبح اسمها أخيراً “المهندسة المعمارية إيلينا روسي”.
وكان أول مشروع اختارت أن تعمل عليه مختلفاً عن كل ما توقعه والداها؛ فهي لم تصمم برجاً شاهقاً، ولم تبنِ قصراً فاخراً، بل عادت إلى المكان الذي ترك في قلبها أول أثر الطفولة. فصممت مشروعاً معمارياً كبيراً أسمته “مدينة الأجنحة الصغيرة”، مكاناً مفتوحاً يحتضن الأطفال جميعاً على اختلاف مواهبهم وقدراتهم وأحلامهم. فيه مكتبات صغيرة لمن يحبون القراءة، وورش للرسم والنحت، ومسارح للمسرح والموسيقى، ومختبرات للعلوم والابتكار، وملاعب للرياضة، وحدائق واسعة يستطيع الطفل أن يركض فيها دون أن يخشى أن يقال له: “توقف.. أنت صغير”. وكانت كل مساحة فيه مصممة بحيث يستطيع الطفل أن يكتشف نفسه.
لم يكن المشروع مجرد مبنى، بل كان مدينة صغيرة تؤمن بأنّ الطفل لا يحتاج فقط إلى من يعلّمه كيف ينجح، بل إلى من يساعده على اكتشاف الشيء الذي يحب أن ينجح فيه.
وعندما وقفت إيلينا أمام مشروعها للمرة الأولى، شعرت أنّ السنوات عادت إليها دفعة واحدة. رأت الشارع القديم وصندوق الألعاب الخشبي، ورأت الطفل الذي اشترى منها أول سيارة، وتذكرت الطفلة التي قالت لها ذات يوم: “أريد أن أصبح رسامة”. فابتسمت، ثم وضعت يدها على أحد جدران المشروع وقالت: “كل هذا بدأ من لعبة صغيرة ومن ابتسامة طفل”.
وكان والدها يقف خلفها وعيناه تلمعان بالفخر، واقترب منها وقال: “كنت أريدك أن تبني شيئاً يجعل اسمك معروفاً في إيطاليا”. فنظرت إليه إيلينا مبتسمة وقالت: “وأنا بنيت شيئاً يجعل الأطفال يعرفون أسماءهم هم”. فضحكت والدتها واحتضنتها فرحاً وفخراً وإيماناً بها وبما وضعته من بصمتها في هذه المدينة.
وفي تلك اللحظة، فهم الوالدان أنّ ابنتهما لم تختر طريقاً بعيداً عن حلمهما، بل أخذت ذلك الحلم إلى مكان أكثر دفئاً؛ فقد أصبحت مهندسة معمارية كما أرادا، لكنها لم تبنِ الحجر وحده، بل بنت مكاناً للأحلام.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت “مدينة الأجنحة الصغيرة” تستقبل الأطفال من كل مكان. وتحت سماء إيطاليا التي شهدت يوماً طفلة تبيع الألعاب في أحد شوارع روما، صار اسم “إيلينا روسي” مرتبطاً بمشروع لم يكن يعلم الأطفال كيف يكونون نسخة من أحلام الآخرين، بل كيف يصنعون أحلامهم بأنفسهم.
لتكشف إيلينا بذلك أنّ بعض الأحلام لا تبدأ من الجامعات، ولا من الكتب، ولا من مكاتب الهندسة؛ فبعضها يبدأ من رصيف صغير وصندوق ألعاب وطفل يبتسم. وأنّ الإنسان قد يقضي عمره يبحث عن بصمته في العالم، ثم يكتشف في النهاية أنّ أعمق البصمات هي تلك التي يتركها في قلب إنسان آخر.
أما إيلينا، فلم تعد تبيع الألعاب، بل أصبحت تبني الأماكن التي تولد فيها الأحلام.



اترك رد