سلمان العمَّاري
أحياناً، لا نحتاج إلى حياةٍ جديدة بقدر ما نحتاج إلى قلبٍ يعيد إلينا معنى الحياة.
أحتاج إلى امرأةٍ لا تشبه العابرين في حياتي؛ امرأةٍ تهزّ أعماقي، وتعيد ترتيب فوضاي، ثم تأخذ بيدي إلى مكانٍ في قلبها، أشعر فيه أنني لم أكن قد وُلدت حقاً إلا حين التقيت بها.
أحتاج إلى امرأةٍ لا تكون امتداداً لحكايات الأمس، بل بدايةً لا تشبه شيئاً مما مضى؛ امرأةٍ أُغلق معها أبواب الحكايات المنتهية، لا هرباً من الذاكرة، بل لأنني وجدتُ أخيراً ما يستحق أن أكتب من أجله حكايةً جديدة، بحروفٍ لم تُنهكها الخيبات، ومشاعرَ لم تُفسدها المقارنات.
امرأةٌ تعيد إلى روحي اتزانها، وإلى عقلي سكينته، ثم تأتي بابتسامةٍ واحدة فتُربك ما استقرّ في داخلي، وتوقظ في قلبي تلك الدهشة التي ظننتُ أنّ العمر قد أخذها معه. امرأةٌ تجعلني أكثر هدوءاً في مواجهة العالم، وأكثر اضطراباً كلما اقتربتُ منها؛ كأنها الطمأنينة التي أبحث عنها، والفتنة التي لا أريد النجاة منها.
أحتاج إلى امرأةٍ تختصر المسافات بين قلبي والحياة؛ فلا أعود أسيراً لما مضى، ولا منشغلاً بما قد يأتي. يكفيني أن أسمع صوتها، وأن أرى ابتسامتها، وأن ألمح في عينيها ذلك الضوء الذي يجعل الأشياء العادية أكثر جمالاً، والأيام المتشابهة جديرةً بأن تُعاش من جديد.
امرأةٌ ترتّب أنفاسي حين تضيق بي الحياة، وتُبعثر سكوني حين يفيض القلب بها؛ تُعلّمني أنّ للفوضى جمالاً حين يصنعها الشوق، وأنّ للانتظار لذّةً حين نعرف أنّ وراء الغياب قلباً يشتاق، وأنّ بعض اللحظات الصغيرة تستطيع أن تمنح العمر كلّه معنى مختلفاً.
لم أعد أبحث عن قصة حبٍّ تُضاف إلى سجلّ أيامي، ولا عن حكايةٍ جميلة أستعيدها كلما أثقلني الحاضر؛ أبحث عن حبٍّ يصبح جزءاً من تكويني، وعن امرأةٍ لا تكون فصلًا في كتاب حياتي، بل شريكةً في كتابة الكتاب كلّه؛ نختلف فنفهم، ونُعاتب فنتقرّب، ونغضب دون أن نُهين، ونختلف دون أن يتحوّل الاختلاف إلى جدارٍ يفصل قلبين اختارا أن يسيرا معاً.
أريد حباً يُعيد إلى الانتظار نكهته، وإلى الرسائل دهشتها، وإلى اللقاء هيبته الأولى. حباً تتّسع فيه المساحة للبوح والصمت، للضحك والعتاب، للحضور والاشتياق؛ حباً لا يحتاج إلى ضجيجٍ كي يُثبت وجوده، لأنّ الطمأنينة فيه أبلغ من الوعود، والصدق فيه أعمق من الكلام.
أريد امرأةً لا تطلب مني أن أكون رجلاً بلا ماضٍ، بل تمنحني الأمان لأتصالح مع ماضيّ، ولا تنتظر مني أن أكون كاملاً، بل تحبّني بإنسانيتي، بما فيّ من قوّةٍ وضعف، ومن يقينٍ وحيرة. امرأةً لا تُطفئ ملامحي كي ترسم ملامحها في داخلي، بل تجعلني أكثر قرباً من نفسي، فيما أزداد قرباً منها.
فالحبّ، كما أظنّ، ليس أن نفقد أنفسنا في الآخر، بل أن نجد معه أنفسنا على نحوٍ أجمل؛ وليس أن نمتلك قلباً، بل أن نصبح أهلاً لثقته، حرّاساً لطمأنينته، وشركاء في أفراحه وأثقاله.
وحين تأتي السعادة على هيئة امرأة، فإنها لا تأتي بالضرورة لتمنحنا عالماً خالياً من المتاعب، بل لتجعلنا أكثر قدرةً على عبوره؛ لا لتملأ كل فراغٍ في حياتنا، بل لتمنح الأشياء من حولنا معنى لم نكن نراه.
وحينها، ندرك أنّ بعض النساء لا يعبُرن حياتنا ليصبحن ذكرى جميلة، بل يأتين ليغيّرن معنى الذكريات، ولون الأيام، وطريقة النظر إلى العالم.
فثمة امرأةٌ قد تختصر حضورها في لحظة، لكنها تفتح في الروح أفقاً لا ينتهي؛ امرأةٌ لا تمنحك قلبها فحسب، بل تُعيد إليك قدرتك على الحب، وإيمانك بأنّ الحياة، مهما أثقلتها الخيبات، لا تزال تخبّئ لنا بداياتٍ تستحق الانتظار.
وحين تأتي السعادة على هيئة امرأة… لا تعُد تسأل الحياة عمّا أخذته منك؛ بل ابتسم، وانظر إلى ما منحَتك، فقد يكون أجمل ما في العمر كلّه قد بدأ للتوّ.

هل لديك نصّ إبداعي
وتريد نشره في منصتنا؟
نرحّب بمشاركاتكم من القصص القصيرة، والشعر، والمقالات الأدبية، والخواطر، والنصوص الإبداعية.
أرسل نصك، ودَعْه يصل إلى قرّاء يقدّرون الكلمة.
قصتك قد تكون النص الذي يبحث عنه قارئ اليوم.


اترك تعليقاً