محمد الصغير
في منتصف يوم عادي من أيام الصيف، أدركت أنني يجب أن أعود إلى عادتي القديمة. لم يكن الأمر قراراً، بل كان استسلاماً لطقس لطالما حكم حياتي ككاتب. طقس التوقف الطويل، ثم البدء من جديد.
في تلك الفترة من الانقطاع، لم أفعل شيئاً ذا بال. كانت الأيام تمر أمام شاشة التلفاز، أو على طاولة الافطار الخارجية. لكن عقلي، رغم خموله، ظل يلتقط شظايا الأشياء المبعثرة. أفكاراً تنجرف فجأة، وتحتاج إلى فرز، ربما لتصبح يوماً ما قصة. الأمر يشبه تجنيد جنودٍ جدد، أو العودة إلى ثكنة قديمة؛ إنه شعورٌ بالواجب، لكنه بلا أي ترحيب.
التوقف ثم العودة هو ما يفعله كل الكُتاب. بل هو ما يفعله أي منا في حياته. نُنهي شيئاً، نتوقف، ثم نعود إلى شيء آخر. ومع الوقت، يصبح هذا الإيقاع هو ما يمنحنا هويتنا؛ كموظفٍ في بنك، أو سائق سيارة أجرة، أو عازف تشيللو، أو روائي.
لطالما شعرتُ أنّ هذا التوقف، الذي يسبق العودة، هو فعل جمالي وضرورة أخلاقية في آنٍ واحد. بينما يعتقد كثيرون غيري أنّ الاستمرار هو القاعدة، وكأنّ الطبيعة تمقت الكاتب الذي يتوقف. أعرف صديقاً اعتاد الاتصال بي كل يوم قبل الغداء، ليقول جملة واحدة: “هل كتبت اليوم؟”. ينتظرني دائماً، ويحاول الإمساك بخيط رفيع بما يمكن أن آتي به غداً، يتوتر باستمرار من فكرة التوقف.
لم أشارك أحد هذا القلق قط. على مدى ثلاثين عاماً، نجحت في البقاء بعيداً عن الكتابة لفترات طويلة. ولم أنتج سوى سبعة كتب. ولا أعتقد أنني لو كتبت أكثر، أو كنت أكثر هوساً، لكانت كتبي أفضل. لم أُخضع هذا المضمار لكسر رقم قياسي في سرعة الإنتاج، بل إنني اخترت الكتابة فقط. أكتب أحياناً بدافع شعور مزعج بعدم الفائدة، أو حين أجد وقتاً فارغاً بين يدي، كأنني ألتقط أنفاسي بين مباراة كرة قدم وأخرى.
الكتابة ليست صعبة، لا تصدق من يخبرك أنها كذلك. نعم، هي غامضة وموحشة، ومعقدة ومرهقة، وقادرة على عزل الكاتب في مملكته الخاصة. لكنها ليست صعبة مقارنة بقيادة طائرة في ليلة مثلجة، أو إجراء عملية جراحية في الدماغ تدوم عشر ساعات. بمجرد أن تبدأ الكتابة، تستطيع أن تتوقف في أي لحظة. ولن يهتم أحد، ولن يعرف أحد. وقد تكون النتائج أفضل إن توقفت.
الفجوة بين المشاريع الكبيرة، كالروايات، ليست مجرد استراحة، بل هي ضرورة. في هذه المساحة، تضع الحياة نفسها في المقدمة. كما كتب أحدهم ذات مرة، الكاتب هو من يراقب الحياة من منطقة حدود. فالفن، في النهاية، جزء فرعي من الحياة، ويتبعها دائماً. الحياة بتشعباتها، وسلسلة الأفكار والأحاسيس التي تعبُرك وأنت تمشي في الشارع أو تقود سيارتك إلى مدينة بعيدة، هي ما يجعل هذا التوقف ذا قيمة.
التوقف يمنحك فرصة لإعادة التقييم. أن تسأل نفسك: هل لدي حقاً ما أضيفه؟ هل ما زلت واثقاً من قراري بالاستمرار؟ أليست هذه المتطلبات مثيرة للخوف بقدر ما هي مثيرة للاهتمام؟ أليس هذا الشك هو ما دفعنا لنصبح كتّاباً في المقام الأول؟
أرى الكُتاب الذين أحبهم كمقامرين، لا كمحترفين يملكون كل الإجابات. رواية واحدة تستنزف الكاتب، وتتركه فارغاً، في حالة من الحيرة والطنين. لذلك، فإنّ فسحة من الوقت، لا تقل عن موسمين، هي ما يعيد النفس إلى الحياة. إنّ التخلي عن العادات القديمة، والروتين اليومي، هو ما يسمح لنا بأن ننسى كل شيء، لنبتكر شيئاً أفضل.
في النهاية، التحدي الحقيقي ليس في الكتابة نفسها، بل في الاعتقاد بأنّ ما تبتكره يستحق أن يُقرأ. وأن تؤمن بأنّ الجاذبية الساطعة التي توجد خارج غرفتك، خلف شحوب خيالك، ستكون يوماً ما على الورق.

هل لديك نصّ إبداعي
وتريد نشره في منصتنا؟
نرحّب بمشاركاتكم من القصص القصيرة، والشعر، والمقالات الأدبية، والخواطر، والنصوص الإبداعية.
أرسل نصك، ودَعْه يصل إلى قرّاء يقدّرون الكلمة.
قصتك قد تكون النص الذي يبحث عنه قارئ اليوم.


اترك تعليقاً