شيرين فكري عثمان*
الحب في زمنٍ قُتلت فيه المشاعر، نسمة حالمة تنعش عتمة القلوب.
الحب مشاعر لا يستطيع أحدٌ وصفها على وجه الأرض، فهي نعمة من خالق الكون زرعها في قلوبنا، فلا يسأل مُحب: لماذا أحببت؟ فهي خلطة سحرية من المشاعر المتضاربة في كل شيء، كأنه مغناطيس يجذبنا إليه دون أدنى قرار. فعندما تُروى أغلب قصص العاشقين، تأخذنا معها في تفاصيل ذكرياتها، من السعادة إلى الألم، ومن الشوق إلى الجراح.
عندما نتحدث عن الحب، وما أدراك ما الحب؟ فالحب يشبه كتلةً من الذرات تتجمع وتتكوّن لتصبح مشاعر وأحاسيس، يُغلفها الكلام الذي يأسر القلوب من أول نظرة، ثم تُترجمها الأفعال بمرور الأيام لتصبح واقعاً جميلاً. ومن منا لم يعش الحب، ويعش معه مشاعر وأحاسيس مرهفة؟ كأننا طيرٌ على جناح يمامة، أو ريشة تطير مع نسمة صيفٍ منعشة. فالحب تظهر علاماته عندما نتحدث، فتلمع معها العيون، وتعجز الكلمات أن تبوح، فتدق القلوب فرحاً بالأشواق، وترتعش الأيادي شوقاً للقاء.
مع الحب تبقى القلوب ساهرة مع النجوم، شاردة، مقيدة بأحلام تراودها ليلاً ونهاراً، لتعيش الروح على أنغام موسيقى العشاق، أملاً في تحقيق الأمنيات. ولكن عندما تتبخر الوعود، تنكسر القلوب، وتتجرع معها مرارة الوجع والخذلان، فتتحوّل علامات الحب في لحظة الفراق إلى واقعٍ مرير. وكما قال الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش: “يوماً ما قلنا لن نفترق إلا بالموت، تأخر الموت وافترقنا”.
كم أنت عجيب أيها الحب، بسببك تمر الثواني كلمح البصر، ويصبح طعم الحياة كنعيم الجنة، وكأنّ الألوان تضج بالحياة. وبك أيضاً تنقلب هذه الثواني إلى كابوس نحاول الاستيقاظ منه، وتتحوّل لذة الحياة إلى نار الجحيم، وتفقد الألوان بريقها لتصبح أبيض وأسود.
عندما قال الكاتب أنيس منصور مقولته: “اذهب حيث يرتاح قلبك، اذهب حيث ترغب، حيث تشعر بالأمان والاطمئنان، لا تأخذ اتجاهاً لا يعجبك فقط لأنّ الآخرين قد أخذوه”، هل كان يعلم أنّ مفهوم الحب قد تغير، ولم يعد شيئاً مقدساً لدى الكثيرين؟ أصبح مجرد لعبة، لا تأتي بثمارها لكل العشاق، في زمن مخيف وعالم افتراضي مزيف. لماذا أصبح الحب – بكل معانيه السامية – تتساقط أوراقه واحدة تلو الأخرى مع مرور الأيام؟ لماذا في هذا الزمن انقلبت الموازين؟ فعندما نذكر كلمة “حب”، تتبادر إلى الأذهان كلمة “عذاب”، وكأنّ شوق الأحبة مقترن باللوعة والفراق ثم الانتقام، بدلاً من السعادة والاحتواء وراحة البال. وكأنّ مسمى الحب الآن لم يعد يعكس جوهر معانيه.
يا له من إحساسٍ مؤلم حين يتحدث القلب ويصارعه العقل، حين تسكن دواخلنا مشاعر مبعثرة، عقلٌ يرفض وقلبٌ يريد… هذه هي أسوأ الحروب، فتحتار الروح في اتخاذ أي قرار، ولكنه القدر من يحسم هذا القرار، سواء شئنا أم أبينا. فلغة القلوب لغة لا تستطيع الأذن سماعها، ولا يمكن للعين أن تراها. سبحان من جعل أعضاءنا تتصارع خفية في التفكير حول شيء يحيرنا، دون أن تتلامس.
الحب من أصعب الصراعات عند تحديد مسارنا في الحياة: “رزانة العقل أم عاطفة القلب؟” فهو يمثل نقطة ضعف لأي شخص، حتى لو كان غليظ القلب. فمع شرارة أول نظرة، وتبادل أول كلمة بين شخصين، تبدأ الحيرة بين القلب والعقل. فيُقال إنّ الكلمة الأولى هي أصعب كلمة يواجهها كل العشاق، لأنها يترتب عليها ما بعدها. ولكن يؤكد البعض الآخر، حينما يستحضر ماضيه، أنّ الأصعب ليس الكلمة أو النظرة الأولى، بل المواقف التي تكشف حقيقة مَن نتعامل معهم، ومَن نحن بالنسبة لهم: مَن يفهمك، ومَن يعرف قيمتك، مَن يبقى معك، ومَن ينسحب من حياتك دون سابق إنذار، مَن يحتويك وأنت في قمة ضعفك، لا في زهو قوتك.
ومن هنا يصعب علينا جميعاً أن ندرك: هل الحب زائر غريب يأتي ليكسر قلوبنا، أم شريك يسكن روحنا، يغرس أحلامه في قلوبنا، لينبض كل شيء فرحاً بالحياة؟ ومع كثرة الحيرة وصراع القلب مع العقل، تنشأ شخصيات أخرى بداخلنا، حذرة لما تعلّمته من تجربتها مع قصة كانت وجعاً لمشاعر قلبها وروحها، ألماً لذكريات عقلها، وندباً للحظات عمرها. فكل من دق قلبه للحب يتمنى أن تصبح هذه المقولة واقعاً جميلاً، لا مجرد وَهْم: “أحب هذا الحب الذي لا يترك وجعاً في الذكريات، ولا ندبة في الروح”.
ومهما اختلفت الأزمان ووسائل الحب والتعارف، سيبقى الحب وَلوعته بين قصص العاشقين إلى الأبد. سيظل الحب أسمى معاني الوجود، لأنه الإحساس بالأمان مع من يحتوينا، فبدونه لا نحيا الحياة.
ويُقال عن الحب على سبيل الفكاهة، من كثرة لوعته: “إنّ قصة حب رواها جد لأحفاده قبل النوم، فغلبهم النعاس، فوعدهم الجد أن يكمل لهم القصة، ولكن للأسف توفي الجد قبل أن يكملها، فبقي الحب قصة لا أحد يعرف نهايتها”.
والكاتب الراحل مصطفى أمين صاحب فكرة اختيار يوم 4 نوفمبر عيداً للحب، حيث تصادف وجوده في هذا اليوم عام 1974 مع مرور نعش أحد الرجال بمنطقة السيدة زينب، وكان يسير وراءه ثلاثة رجال فقط. فاندهش من هذا الموقف، الذي لا يناسب علاقات أهل الحي المشهور بالترابط والتآخي. وعندما سأل عن المُتوفى، علم أنه رجل عجوز بلغ السبعين من عمره، لكنه لم يكن يحب أحداً، فلم يحبه أحد. ليقوم بعد تلك الواقعة بالدعوة إلى تخصيص هذا اليوم عيداً للحب، فرصة للتآلف والتآخي بين الناس، نافذة أمل للجميع لنفضِ همومهم، والتغلب على مشاعر الحزن والكراهية، واستبدالها بزهرة حمراء، وكأنه يمنح قبلة حياة لإنسانية البشر.
ختاماً، لا تبحثوا عن الحب، فالأشياء تأتي من تلقاء نفسها دون عناء منكم، وتذهب مهما حاولتم جاهدين الاحتفاظ بها. كما أنّ الأفعال هي التي تؤكد صدق المحبة، أما الكلام فالجميع يتكلم. تنفسوا حباً ولا تندموا على ما فات، مهما صارت قلوبكم مصدومة وحائرة من الاختيارات الموجعة، في كل لحظة شعرتم فيها بنشوة حبٍ كاذبة. كونوا على يقين أنّ هذه اللحظات إنما هي من تجارب الحياة، حتى تعثروا على روحكم الثانية التي تستطيع أن تسعدكم وتمنحكم إحساساً داخلياً بالأمان قبل أن يكون سلاماً ظاهرياً. حاولوا أن تتنفسوا حباً بكل أنواعه، حباً يترك بداخلكم نوراً يفتح نوافذ الأحلام والخيال بالأمل، وحباً يشّع أملاً نحو الأفضل، لتستطيعوا أن تنشروا طاقة الحب حولكم.
*كاتبة ومُعِدّة برامج بالإذاعة الثقافية “إذاعة البرنامج الثقافي سابقاً” بالإذاعة المصرية.

هل لديك نصّ إبداعي
وتريد نشره في منصتنا؟
نرحّب بمشاركاتكم من القصص القصيرة، والشعر، والمقالات الأدبية، والخواطر، والنصوص الإبداعية.
أرسل نصك، ودَعْه يصل إلى قرّاء يقدّرون الكلمة.
قصتك قد تكون النص الذي يبحث عنه قارئ اليوم.


اترك تعليقاً