شيرين فكري عثمان*
الكلمة أم بلاغة الصمت
الكلمة الطيبة.. شجرة وارفة الظلال
“أتدري ما معنى الكلمة؟
مفتاح الجنة في كلمة
ودخول النار على كلمة
وقضاء الله هو الكلمة
الكلمة نور وبعض الكلمات قبور
بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري
الكلمة فرقان ما بين نبي وبغي”.
كلمات كتبها عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيته “الحسين ثائراً”، على لسان سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنه، حين طُلب منه أن يبايع يزيد بن معاوية، فكان الرد ليس مجرد موقف سياسي، بل موقف كاشف لقيمة الكلمة في ميزان الحق. فحين قالوا: “نحن لا نطلب إلا كلمة، قل بايعت واذهب بسلام، فلتقلها وانصرف يا ابن رسول الله حقناً للدماء، فلتقلها… آه ما أيسرها… إن هي إلا كلمة”. بدت الكلمة في ظاهرها بسيطة، لا تثير جدلاً ولا تغيّر شيئاً، لكن الحسين رآها أعمق من ذلك، رآها حداً فاصلاً بين الحق والباطل، وبين حياة أمة ومصيرها.
هكذا كانت الكلمة وما زالت قادرة على أن تغيّر حياة إنسان أو شعبٍ بأكمله. كلمة قد تُشعرك أنك تنبعث من جديد، وأخرى قد تدفنك حياً. فعليك أن تُشعر بكلماتك قبل أن تُقال، حذراً لتصرفاتك قبل أن تفعلها، وعياً للعواقب قبل أن تصنع وجعاً، تترك ندبة في الروح لا يُمحِيها اعتذار. فالحياة في جوهرها، ليست إلا كلمة، عابرة للزمن، لا تموت بموت قائلها كما يُقال.
للكلمة سحرٌ يشبه الابتسامة، فالابتسامة كلمة طيبة بغير حروف، والكلمة الطيبة جواز مرور إلى القلوب، تفعل ما لا يفعله الدواء. بالكلمة تبدأ لغة الحوار بين اثنين أو أكثر، ومعها يبدأ الانجذاب إلى أطراف الحديث أو النفور منه. فهل شعُرت عزيزي القارئ يوماً ما بتأثير الكلمة على غيرك حينما لفظت بها أو عليك أنت شخصياً؟ كلمة أنارت روحك في لحظة انكسار، وأخرى أطفأت قلبك في لحظة توهّج، رغم أنّ اللسان لم ينطق إلا مجرد كلمة. ها هي الكلمة وما أدراك ما الكلمة التي تخرج من اللسان فتخترق القلب.
لو أدرك المرء أثرها، إيجاباً أو سلباً، قبل فوات الأوان، لتبدّلت المشاعر، وتغيّرت المواقف، وما مضت أعمار حسرات بسبب لفظٍ عابر أو موقفٍ عجل. فالكلام قليله نافع وكثيره قاتل مثل ضربة السيف، ولكنه القدر الذي يحسم كل شيء على غير المتوقع.
الكلام في بعض الأحيان إما أن يكون كالعصا السحرية التي تُفتح بها الأبواب المغلقة، فتُحيي الأمل، أو كالبلسم الذي يُلين العقول، ويُهدّئ النفوس، ويُلطف المشاعر، فينجذب إليه كل ما حوله دون أن يدرك سرّ سحر هذه الكلمات. أو قد يكون على النقيض، كمغناطيسٍ بشحناته السالبة، ينفر منه الجميع لقسوة ما يخرج من فم صاحبه، حتى وإن كان دون قصد، أو ظنّ أنه في مصلحة من يُحدّثه. فحقاً الكلمة خنجر لا يُرى.
يُقال إنّ الجمال يلفت الأنظار، لكن الكلمة تأسر القلوب. فما فائدة الجمال إن كان اللسان سليطاً؟ إنّ اختيار الكلمات الملائمة في الوقت المناسب قادر على أن يغيّر كل شيء، حتى وإن تشابهت النهايات. فجمال الإنسان في لسانه، ولو وُزنت كنوز العالم أمام كلمة تلامس القلب، لرجحت الكلمة الطيبة. فأحسنوا حديثكم وانتقوا كلماتكم للقريب قبل الغريب؛ فالكلمة الطيبة صدقة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجبر الخواطر عبادة، أبسط صورها كلمة، والكلمة الطيبة شجرة وارفة الظلال.
فالكلمة لها سحرها الخاص في قلب وعقل المرسِل والمتلقّي في آنٍ واحد؛ لأنها تُترجم المشاعر الكامنة داخل كيان الإنسان، فتتحول تلقائياً إلى أفعالٍ وتصرفات، لها تأثير قوي في تحديد مصير المواقف وعلاقاتنا بالآخرين. ولهذا فإنّ انتقاء مفرداتنا وحُسن استخدامها يؤثران في مشاعرنا ومشاعر المحيطين بنا، فينعكس سحر الكلام على ملامحنا، ويُغيّر شكلنا وروحنا، لأنّ هناك أشياء لا تعود. فالكلمة التي خرجت من لسانك، والقلوب التي رحلت بسبب هذه الكلمة.
طريقة الكلام تقرّب كل شيء أو تُبعده، كذوبان الجليد أو تجمّده. فبكلام البعض تُغلق الأفواه وتنجذب العقول، وتلمع العيون وتأسر القلوب، حتى وإن اختلفت النفوس وتناقضت. وبكلام البعض الآخر تُطلق الألسنة وتتشرد العقول، وتحزن العيون وتنفر القلوب، فتتحقّر النفوس وتنهار معها الآمال والأحلام، وقد تُنهى به علاقات أو حياة، حتى وإن كان أصحابها هم القلب والروح. هكذا هي الحياة كما يقال: “مواقف تصدمك، ومواقف تبكيك، ومواقف بحاجة لتجاهلها… وتبقى هناك مواقف لا تُنسى”.
أحياناً هناك أحاديث لا تُحكى ولا تُقال، فنجد في الكلام عناءً يفوقه الصمت. لذلك يصبح الصمت أبلغ وسيلة لتوصيل الكلام، وكأننا نبني به حواجز بيننا وبين الآخر. فلنا في الصمت حياة وألف حكاية وحكاية، وفيه راحة لقلوبٍ كثيرة، حين تعجز النفس عن البوح بما ينتابها من مشاعر مبعثرة. لكن إن استطاعت فعليها الحذر حتى لا تندم على خروج كل حرفٍ منها، لأنّ ما أسهل خروج الكلام من أفواهنا، وما أصعب عودته إن خرج في غير موضعه.
فأصناف البشر كثُر في تعاملهم مع الكلمة:
1- هناك من لا يُحسن اختيار كلماته، ولا يجد قدرة على التعبير عما بداخله، رغم طبيعته المرحة والاجتماعية، فيفشل في لحظة الحاجة للكلام (وهي رد الكلمة الجارحة بمثلها).
2- وهناك آخرون يسرقون أطراف الحديث بلطف الرد، يكسبون معارك الحوار في جلسات السمر بعذوبة كلامهم ولباقة لسانهم وحضورهم القوي، فيبنون جسوراً من الود والمحبة، وقد يدفعوننا للتغاضي والمسامحة، حتى وإن كانوا على غير حق، لمجرد كلمات أذابت جليد القلوب.
3- وهناك من يُفهم خطأً من كلمة، وآخر يجرح ويخسر الآخرين في لحظة غضب أو نقاش محتدم، فيُعرّي حقيقته دون أن يكذب في مشاعره أو يُنمّق كلامه.
4- وهناك من يتجمّل بالكذب وكلامه المعسول، وقد كثر هذا الصنف؛ فالكذب لديهم يستخدم كقناعٍ مثل البودرة تُرش لتغطي الحقيقة، يتلوّن كالأفعى، ويغير جلده أمام الآخرين، ليخدع القلوب ويتلاعب بالمشاعر. ولذلك قيل: “لا تصدقوا الكلام، خذوا الحقيقة من أفواه المواقف فقط”، فليس كل قريب صادق، ولا كل كلمة جميلة نابعة من قلب، ولا كل ابتسامة دليل نقاء.
اقرأ أيضاً
أكثر من حياة واحدة: فلسفة العقاد في عشق القراءة
كيف ينبغي للمرء أن يقرأ كتاباً؟
فن الإيحاء والتكثيف: كيف تُكتب القصة القصيرة الحديثة؟
غيبوبة
صراع
ولهذا للكلمة قوة كبيرة، يمكن أن تُستخدم للخير أو للشر، فهي قادرة على أن تبني أو تُدمّر، تكسب أو تخسر، تُسعد أو تُحزن، تُحرّر أو تُستعبَد. يمكنها أن تُشجّع وتُحفّز على النجاح، أو تُثبّط العزيمة، وأن تزرع الأمل والتفاؤل، أو تنشر اليأس والقنوط. لذلك من المهم أن نستخدم كلماتنا بحكمة، لخلق الخير في هذا العالم وجعله مكاناً أفضل.
بالكلمة تبدأ قصص العاشقين أو تنتهي، وبها يبدأ مشوار الألف ميل صعوداً نحو النجاح أو سقوطاً في قاع الخيبة والحسرة. وبالكلمة تُبنى صداقات العمر أو تنقطع، وبها قد يشعر الإنسان بالقوة والتحدي كأنه امتلك العالم رغم ضعفه. وحتى انتشار الشائعات تبدأ بكلمة، كالرصاص، قد تغتال الأرواح قبل الأبدان كما يُقال. ولهذا يبقى سحر الكلام قائماً ما دام في القلب نبض، وفي الحياة معنى.
بعد كل هذا، أيهما أفضل في عالمِنا المخيف المزيف الذي نعيشه اليوم: ثرثرة الكلام أم بلاغة الصمت؟ أم أنّ خير الكلام ما قلّ ودلّ؟ أم أنّ لكل مقامٍ مقالاً كما قيل؟
وكما قال الشاعر العباسي بشار بن برد ذلك المعنى حين أنشد لجاريته ربابة:
“ربابة ربة البيت… تصبّ الخل في الزيت
لها عشر دجاجات… وديك حسن الصوت”
حيث بهذين البيتين شكرها على حُسن إعدادها للطعام، وعندما عاتبه أحد أصدقائه على بساطة الشعر، فرد عليه بشار قائلاً: هذا عند ربابة خير من قول امرئ القيس:
“مِكرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدْبِرٍ معاً، كجُلمودِ صخرٍ حطّه السيلُ من علِ”
فهذا الشعر في مقامه أقوى، ولكل مقام مقال.
فما أجمل أن يترك الإنسان أثراً طيباً في نفوس الآخرين، ككلمةٍ طيبةٍ باقية لا تتلاشى ولا تفنى بموت قائلها، وكأفعالٍ تشفع لصاحبها يوم القيامة. فالسيرة تبقى دائماً أطول من العمر.
*كاتبة ومُعِدّة برامج بالإذاعة الثقافية “إذاعة البرنامج الثقافي سابقاً” بالإذاعة المصرية.

هل لديك نصّ إبداعي
وتريد نشره في منصتنا؟
نرحّب بمشاركاتكم من القصص القصيرة، والشعر، والمقالات الأدبية، والخواطر، والنصوص الإبداعية.
أرسل نصك، ودَعْه يصل إلى قرّاء يقدّرون الكلمة.
قصتك قد تكون النص الذي يبحث عنه قارئ اليوم.


اترك رد