سلسبيل زهران
انحدرت تلك الأماني لتهوي على نهرٍ يجرف بين طياته أنامل الماضي، ولربما الحاضر. أتدري كيف انتهى الدرب ومال إلى الجرف؟ هذا الاسوداد يترامى بين أحضانٍ تائهة، تناست بقصدٍ أهدافَ المسير. تُبصر بعمىً على خطى تلك الندوب المرسومة على الطريق، كأوراق الخريف المتطايرة أو كسرب تلك المهاجرة؛ تذهب بلا إدراك، هي فقط تقوم باتباع الدلائل والجماعة.
تنفث بِسُمها إلى تلك المستلقية على أكوامٍ حصدتها رزمٌ من أيامٍ تكرر نفسها، تعود وتُمسك بأطراف الثوب المهترئ ليتخللها الأمان الزائف. بين جمعٍ غفير وصدىً يتسلل إلى عمق الوتر، تعاونت ومضات هذه الكتلة لتجعل تلك الثواني لا تتقدم.
تنقضي بثقلٍ لا تنفك عن كاهلي؛ فوضى داخل هذا الكيان تعمّ، تُرسل مقايضاتٍ فاشلة بين تذبذب تلك الخطوات المتخبطة. ألِمستقبلٍ تذهب؟ أم تجرُّ أحبال الماضي؟
تُوقن بغلافٍ صافٍ تلاءمت خيوطه لتحتضنك من عثراتٍ مضادة؛ ولكن نخزات تلك الإبر اندفعت صبّها لتغرق في ظلامٍ حالك. كتلةٌ لحمية! هه… هراء، إنما تعقيد غير عقلاني.
تتساءل: ألهذا علاقة بمحدوديةٍ نجهلها، أم بمحيطٍ نظن أننا نعرف خفاياه؟ مجهولٌ بكل دلالاته، لا يتسم بالوضوح رغم سبعة آلاف وتسعمئة وثمانية وأربعين يوماً عجَّ بمكنوناته. نعم!
“ضياع”
أشعر به يتخلل هذا الجسد الهامد. أدلةٌ واهمة تضيء طريقاً حاكته تلك النجوم القاصية. انهمرت داخلي شتى الملامح المبعثرة، تتعاضد مع مآسي الماضي الذي يجر بذيله الحاضر البعيد. حسناً، أظنها مشاعري التي هزمتني تلك الليلة.
“فراغ”
ارتطمت بوجنتيّ ساكنةً أثناء حفلة استلام أوسمة التخبّط الإجباري. تتجول ببهوٍ اعتاد على ضجة أفكار هذا المتربّع على عرش الهاوية. اتّسم بعدوانيةٍ مرهفة؛ لربما هي نرجسية الأنا التي اعتادت على سكبها بين أذرع رقيق الجوارح هنا.
“صمت”
اكتمل العدّ التنازلي. ها هي تسقط الآن حاملةً هذا النعش الصامت الذي تلافى عن ناظرهم. يسود الكلام المنقطع بأفواهٍ خاطتها عيونٌ لا تبصر بعد الألم واقعًا. ألحانٌ تتراقص على إثرها رماداً من طول دهرٍ أصم، وراء قضبانٍ بيضاء مُنعت حريتها من التجول بين أسوار محيطٍ عند جزرٍ جرداء. تساءلت: ألهذا علاقةٌ بشجار الكلام داخل قوقعتي، أم أنها سيطرةٌ مؤقتة؟
“فوضى”
أتعلم ضوضاء العقل ما هي؟ حين تجتمع الرغبة مع اللا رغبة لتُحدث فوضى عارمة داخل قوقعتك، يأتي ذلك الصرير الذي يحمل بين أضلعه متاهة أعرف مخرجها ولا أريد ذلك. نعم، إنه يأس عارم يضع بصماته على جدران هذا الدماغ، ليترسّم على عرش التيهان الأعظم في مملكتي. عاد بخفيّ حنين منتصراً من معركته أمام ظله في وضح النهار المُغبِر، جامحاً يخطو على أعتاب دربٍ حيكَت أدراجه بألسن الكثيرين خوفاً من تراجعٍ يقوده إلى مفترق طرقٍ نهايته الهلاك.
“صرخات”
لا بد أنه الصمت! حال بين هدوئها وبين اختراقها لجدرانٍ محصّنة. تراقب أوراقها المهترئة وتظنه البؤس الأعظم. احتدم الصراع بين أطرافٍ وهمية ترمي بين جنباتها أنها الصواب. تُسابق مقطورة الزمن وتعيد بذلك الشوق الإجباري لعدوٍ نال من جَنانها قضمةً مريرة.
“استئناس”
سار بين أذرعها الخضراء يتنفس عبقها، ويلعب مع النسيم تتابُعَ الأوراق. ركن بكاهله على انعطافٍ تاه معه عنفوان شبابه، ليُعاود استنشاق ربيعه النافق بين ثنايا الفصل الشاحب. ليتفاجأ بديمٍ ينهمر على عيونه كأنه الدمع الزائف، فتقفز بطلاقةٍ لتقول: آن أوان شتائه، ليحلَّ برهةً بين (٢٤) سياجاً حاطه ليؤخر نخزةً مرتقبة. تهمس بخبث: اقترب الأجل!
“غربة”
هدوءٌ عمّ تلك المشاعر المتخبطة. نعم، ساعاتٌ تمضي كأنها أعوام، لا تزال أوهامها تحوم بين الحين والآخر. تدخل كأنها مقيمةٌ بغض النظر عن صاحب هذه المقطورة. تشعر بانفصالٍ غريب بين الجثة الهامدة وبين أفكارٍ تتلوّن بقراراتٍ مأثورة. تُشيح بعيونها إزاء خيوط السماء الملونة، تبحث بين أحضانها عن ملجأٍ يجعل من هدفها نصبَ أعين الكثير.
“أوهام”
راودني ذلك الصوت ليالي عديدة. لوحاتٌ ترتسم داخلي، أتظنها حقيقة؟ لربما هذا وهم، كما يقولون. وهمٌ أم هلوسات؟ أشباهٌ تسير بتملقٍ أمام ناظري. يسري داخلي ذلك الإحساس المألوف، يعيدني الشريط إلى الوراء. أتلك ذكريات أم حقيقة يتخللها إدراكٌ باهت؟
أطرق جميع أبواب الخروج، ولكن يأتيني الرفض بالبقاء نحو خلود اليأس. لا أكاد أشعر بأطرافي؛ أترنح هنا وهناك. أتظن أنه الأوان؟ أُسحب لأعلى كانجذاب مغانط قوية. بماذا أبصر الآن؟ أبعقلي أم بعيني؟ يُسدل ستار الأخيرة لتنكشف الرؤى للعلن. قلقٌ سار كنخزةٍ اقتحمت جسدي. فراغ! نعم، فراغٌ مخيف يخيّم هنا.
إنها عدالة القدر؛ عندما تفزعنا لحظة انسدال هذه الستائر الجلدية نرى اسوداداً قاتماً يعُم الأفق. ومع ذلك تبدأ ذكريات العقل الباطن بالتدفق هنا وهناك على أشكالٍ مختلفة؛ فتارةً نراها كظهورٍ أول، وتارةً على غرار أختها المدعوة “هلوسات” وأنا سأدعوها اضطراب الذاكرة. نعم!
عند التعب لا نشعر بما يحصل حولنا، فتبدأ دواماتٌ مبعثرة تحمل بين طياتها صوراً وأصواتاً كثيرة، وكأنها تقول: ها قد بدأت اللعبة الآن.
“إدراك”
ترتسم آمالٌ تظن نفسها حقيقةً مختومة. مسكينةٌ هي من تشق طريقاً مخفياً فتتعثر بأقدام الواقع. ربما حينها ستدرك أنّ قفصها يحتاج إلى مفتاحٍ نادر الصنع. أقرؤها جيداً، تلك المترامية على بوادر الحروف، تلمع كأنها مدركةٌ لما يحصل أثناء اجتماع الأبجدية وتكوينها لمصادر مهولةٍ بالنوادر الفكرية؛ لكن لا بأس، فربما سهمٌ جارح ذات يوم سيوقظ تلك الألسن المتطايرة، باحثةً عما تشتعل به، فتلسع بذلك أحاسيساً دمرها انعدام الشعور.
“زوال”
لن تكتفِ قبل زوال غبارها وانتثاره بين اتساعٍ مخيف. تعيد تكرار آلامها وآمالها لا إرادياً أثناء سقوطها بوحل الماضي. ها هنا نعيدها على مسامع الكثيرين. لا أجزم بصدق استيعابها، لكن القلوب المنكوبة تنبض حسرةً على إعطاء هذا الدور المسرحي غير المرئي من القدر.
لن تبرح لحين انقضاء معزوفتها الأخيرة، تُسمَع بتجنّب كي لا يُحكَم عليها بالإعدام رمياً بالكلام.



أضف تعليق