علي الحسامي – اليمن
وضعه ليس على ما يرام، ولا أظنه سوف ينجو؛ فالنزيف الداخلي ما زال مستمراً، علينا أن نجري العملية الجراحية بأقصى سرعة. كان كبير الأطباء يهمس في آذان مساعديه، بينما غرقتُ أنا في نوبةٍ من البكاء لم يكن يراها أحد، وشلالٌ من الذكريات يتدفق داخلي بسرعة كبيرة.
طفلتي ذات التسعة أشهر تناغيني بصوت مبهم وهي تزيح اللحاف عن وجهي، فأفتح عيني ثم أدس قبلة في وجهها الجميل الغض، وأعاود النوم مجدداً، لكنها ترفع اللحاف عن وجهي مصممةً على مشاغبتها الطفولية. احتضنتها بلطف وأنا أُطرق مفكراً: ماذا لو لم أجد ملاكي الصغير هذا يوماً من الأيام، سيما وأنّ الكوليرا تفتك بأطفال القرية هنا وفي القرى المجاورة؟
أخذتها في جولة داخل فناء المنزل، ثم عُدت إلى الداخل فقد سمعت صراخاً قادماً من إحدى بيوتات القرية:
“لقد سقط حمدان من الجبل، سقط حمدان وارحمتاه!”
زوجتي التي كانت منشغلة في المطبخ بإعداد طعام الصبوح صرخت هي الأخرى:
“حمدان!” قالتها بصوت متقطع، وأنا في حالة من الذهول. قلت لها: أمسكي الطفلة لأذهب نحو القرية وأرى ماذا هناك، لكنها لم تُعرني اهتماماً، مصممة على الذهاب بنفسها، صاعدة بمشقة عالية في الطريق الجبلي، لتعود بعد دقائق وهي تبكي بحرقة وصراخ مرتفع، وبعض نساء القرية يحاولن عبثاً أن يُهدئن من روعها.
“حمدان… كيف ذهبت هكذا ولم تودّع طفلتك التي كنت تحتضنها كل صباح؟!”
وا حمدان… كنتُ أتحسس نفسي: أنا حمدان الوحيد في القرية، فمن هو حمدان الذي سقط من الجبل؟
خرجتُ من الداخل مسرعاً وأنا أقول لها: أنا لم أسقط من الجبل يا سمية، هل أنتِ مجنونة؟ ما من أحد يسمعني ولا ينتبه إليّ مطلقاً.
بينما كان الرجال يحملون على نقالة قديمة شخصاً ما لكي يُسعفوه إلى المستشفى في المدينة، سألت عن حاله لكن لم يُجبني أحد، غير أني كنت أسمعهم يقولون إنّ حالته حرجة، وربما يموت في الطريق.
تركتهم يهرولون بالمصاب، ثم نظرت نحو الجبل: أليس هذا هو الجبل الذي سقط من فوقه؟ لقد كنت هناك في الصباح الباكر، لكنني لم أسقط! هل هو القدر إذن؟ أم رَمَت به جنية الجبل؟ قالوا إنها ترمي بكل شاب يصعد الجبل إذا لم يوافق على الزواج منها!
أذكر أنّ أمي قالت لي في المساء:
“سوف تصعد الجبل صباحاً يا ولدي حمدان، وسوف تسقي أشجار الفاكهة، فأبوك قد كبر ولم يعد قادراً على تسلق الجبل.”
“يبدو أنّ العملية معقدة جداً… علينا أن نُحضر الدكتور الروسي في الحال.”
كان الألم شديداً في رأسي، أشعر بمشارطهم تشق جلدي، تسبح في دمائي…
أصوات الأجهزة الطبية تتداخل مع صدى صراخ زوجتي “سمية” هناك في القرية، وتتلاشى تدريجياً لتصبح طنيناً معدنياً بارداً يملأ أذنيّ.
لكن الألم لم يكن جسدياً فحسب، بل كان شعوراً غريباً بالانفصال؛ كأنني أراقب تلك الجثة الممتدة على الطاولة من سقف الغرفة.
تذكرتُ الآن… نعم، تذكرت. كنتُ هناك في الجبل، وسحابة من الضباب الكثيف تعانق قمته، وفجأة، تحت قدمي خانتني الصخور الرخوة، وكان الأمر انزلاقاً مفاجئاً في منحدر لا يرحم.
الدكتور الروسي دخل الغرفة، ملامحه حادة كصقيع بلاده، يتحدث بلغة لا أفهمها، لكن نبرة صوته كانت توحي باليأس. نظرتُ إلى يدي الممدودة على طاولة العمليات، فبدت بعيدة جداً، شاحبة، وكأنها تنتمي لرجل آخر.
في تلك اللحظة، كان كل ما يشغلني هو وجه طفلتي ذات التسعة أشهر… أين هي الآن؟ هل أخذتها سمية معها إلى المستشفى؟
فجأة تغيّر المشهد. لم أعد في غرفة العمليات، بل وجدت نفسي في ردهة بيضاء شاسعة، بلا جدران، يسودها صمت أبدي يشبه السكينة التي تسبق العاصفة.
رأيتُ والدي العجوز يقف في الأفق، يلوّح لي بيده كأنه يدعوني للمجيء خلفه. ورأيت طفلتي، لكنها لم تكن تناغي هذه المرة؛ كانت تنظر إليّ بعينين أكبر من عمرها، وتمتد بيديها إلى وجهي لتفتح عينيّ، وتتمتم بكلماتها المبهمة، تحاول عبثاً أن تجعلني أتكلم، أو أن آخذها في حضني وأدور بها في فناء المنزل…
“لا تذهب يا حمدان، ليس بعد”، همس صوتٌ داخلي، لم يكن صوتاً بشرياً، بل كان صدى قلبي الذي ما زال يقاوم التوقف.
انطلقت صافرة إنذار الأجهزة الطبية في خط متصل ومزعج، الأطباء يهرعون، ويحاولون إنعاش جسدي بالصدمات الكهربائية. شعرتُ بجسدي ينتفض بقوة على الطاولة، تراجعتُ خطوة إلى الوراء، بعيداً عن أبي، واقتربتُ من طفلتي التي بدأت بالبكاء، صرختُ بكل قوتي: “أريد أن أعود من أجلك يا صغيرتي!”
فتحتُ عينيّ، كان السقف متهالكاً، يغطي المصباح الكهربائي الوحيد في غرفة الإنعاش، الذي كان يترنح مع كل هزة في أرجاء المستشفى جراء القصف القريب في المدينة.
كان الممرض يقف فوقي مذهولاً، يضع يده على عنقي لجس النبض الذي عاد للتو للحياة. نظرتُ إليه، لم أستطع الكلام، لكن الدموع انهمرت من عينيّ. لم أكن قد متُّ، لكنني أدركت أنّ العالم الذي تركته خلفي في الجبل قد تغيّر إلى الأبد.
حمدان الذي سقط من أعلى الجبل… ها هو قد عاد إلى الحياة. تجاوبت الضحكات في أرجاء المستشفى، إنها ضحكات أبي وأمي وزوجتي سمية.
سمح الدكتور المناوب لكل أفراد أسرتي بزيارتي، والغبطة تملأ وجهه، ثم خرج مهرولاً ليُخبر بقية الأطباء بأنّ عملهم قد تكلّل بالنجاح، وأنّ المريض في غرفة الإنعاش قد أفاق فجأة…
أجَلتُ طرفي في وجوه: أمي وأبي، وزوجتي وطفلتي. كان وجه زوجتي شاحباً جداً. بعد شهر كامل من ذلك الحادث الأليم، أمي تمسك بيدي بلطف وهي تبتسم وتحمد الله على عودتي للحياة، وأبي ينظر إليّ بشفقة وحنان، وزوجتي تدنو مني مع طفلتي وكأنها تقول لي: لقد عادت إليك الحياة يا حبيبي، الآن سوف نعيش في سعادة غامرة، لن تصعد إلى ذلك الجبل المشؤوم مرة أخرى…
لكنني كنت ألاحظ شخصاً آخر وحدي كنت أشاهده، كان شخصاً مختلفاً جداً، يريد مني أن أذهب معه، أن نطير سوياً، أو نعبُر سقف هذه الغرفة إلى مكان آخر…
شعرتُ بدوار شديد وثقل في رأسي، أطرافي تبرد شيئاً فشيئاً، شيء ما يكاد أن يخرج من صدري بقوة هائلة.
دخل الأطباء فرحين، ثم ما لبثوا أن تغيرت ملامح وجوههم، صرخ أحدهم: أعيدوا الأجهزة إلى جسمه! أمروا أسرتي أن تخرج.
عيناي ما زالتا مشدودتين إلى سقف الغرفة، سمعت نشيج بكاء ما، طفلتي تتمتم بكلام مبهم، وضعوا اللحاف على وجهي، عدت إلى غيبوبتي مرة ثانية، لكنها هذه المرة ستكون طويلة جداً…



أضف تعليق