الإذاعة… حين ترى بأذنيك

شيرين فكري عثمان*

ذكريات لا تُنسى

لا أعلم إن كنتُ من الأجيال المحظوظة التي نشأت وتربّت في زمن كانت فيه الإذاعة المصدر الأول للمتعة والخيال، رغم وجود التلفزيون بالطبع، لكن كل ما أعلمه أنها كانت شاهداً على تحوّلات كثيرة في تاريخ البشرية، وأسهمت في تشكيل وعي الكثيرين من جيلي.

لقد كانت الإذاعة جزءاً أساسياً وملازماً للطقوس اليومية في كثير من البيوت المصرية قديماً؛ تبدأ من لحظات الاستيقاظ وتحضير الإفطار، قبل الخروج إلى المدرسة أو العمل، وتمتد في السيارة ووسائل المواصلات العامة، وحتى في مطبخ ربة المنزل، ثم ترافق الناس في سهرات الليل الدافئة، بين الضحك والسمر، وأحياناً على ضوء الشموع.

ومع نسمات كل صباح، كان صوت الراديو وتلاوة القرآن الكريم يكسران صمت الليل، ليُعلنا بداية يوم جديد. لقد صنع الراديو والإذاعة جيلاً مختلفاً عما هو عليه اليوم، بما تمتاز به من سحر خاص في تقديم البرامج الترفيهية والمتنوعة، من رياضة وفنون، إلى متابعة الأخبار والأحداث السياسية التي تخاطب العقول وتؤثر في الوجدان، فتجعل المستمع يتخيل ما يسمعه وكأنه يراه.

إنها حقاً أداة فعالة للاحتفاء بالحياة الإنسانية، ورسم ملامح المجتمعات بتنوّعها بين شعوب ودول العالم أجمع.

في طفولتي، لم أكن أستوعب أو أتخيل يوماً أنّ ذلك الصندوق الأسود الصغير، بشكله القديم، يمكن أن يخرج منه كل تلك الأصوات التي كانت تجذبني لأجلس بجانبه ساكنة ومستسلمة، أستمع لأول مرة إلى حكايات “أبلة فضيلة”. كنت أشعر وكأنها تخاطبني شخصياً في كل حكاية؛ حين تتحدث عن طفل مشاغب وكيف كان عقابه عند الخطأ، أو عن طفلة هادئة مطيعة نالت حب الجميع لأنها ساعدت الصغير واهتمت بالضعيف.

وغيرها الكثير من الحكايات التي ما زالت محفورة في الذاكرة حتى اليوم. حقاً كانت صناعةً للسحر والبهجة في نفوس المستمعين. ومع مرور الوقت وتعاقب الأيام، أدركتُ قيمة وأهمية ذلك الصندوق السحري الذي كان يلتف حوله الجميع في كل مكان، حتى أبعد بقاع العالم.

فقد كان من عادة البيوت المصرية، مع بداية يومها، أن تستمع إلى تلك الأصوات العذبة؛ بدءاً من صوت النقشبندي ومحمد رفعت عبر إذاعة القرآن الكريم، وصولاً إلى “أحلى صباح” مع أم كلثوم، و”يا صباح الخير يا اللي معانا… الكروان غنّى وصحانا”.

ثم يأتي صوت فؤاد المهندس وبرنامجه الأشهر “كلمتين وبس”، الذي كنتُ أعشق سماعه قبل التوجه إلى المدرسة، وكذلك برامج “ساعة لقلبك”، و“همسة عتاب”، و“على الناصية”، و“تسالي”، و“ربات البيوت”، و“من الجاني”، و“لغتنا الجميلة”، و“اعترافات ليلية”.

كما كنتُ أداوم على متابعة مسلسل إذاعي لعبد الحليم حافظ ونجلاء فتحي، بعنوانٍ أظنه “أرجوك لا تفهمني بسرعة”، وقد حزنت حين لم تُستكمل حلقاته بسبب عدم تسجيله مع قيام حرب أكتوبر عام 1973، وهو ما علمته لاحقاً.

ثم يأتي “شاي العصر” في يد والدي، وهو يستمع إلى أم كلثوم وهي تتألق وتُسلطن عبر الراديو، كما كان الجميع يقول.

وفي المساء، كانت الحكايات تبدأ مع “ألف ليلة وليلة” بصوت زوزو نبيل، التي كانت تُنمي خيالي، وتجعلني أتخيل الشخصيات وكأنها تتحرك أمامي، بينما أُصغي لكل كلمة في حالة من الشرود الجميل. ثم تمتد الليالي إلى المسرحيات والسهرات الإذاعية، إلى جانب حرص والدي على متابعة نشرات الأخبار من مختلف الإذاعات مثل “مونت كارلو” و”بي بي سي”.

ذلك الصندوق الصغير الذي كان يَسحرُك بعالمه الخاص، فيجعلك تسافر معه أينما كان، لترى ما تسمعه، ويمنحك متعة الخيال والأحلام، وهو المفتاح الأول لكل مبدع.

بعد مرور أكثر من 90 عاماً على أول بث إذاعي في عام 1934، ومع ظهور وسائط إعلامية أخرى تنافس الراديو، بدأت كثير من الأسئلة تغزو عقلي، وهي تساؤلات تتكرر في أذهان الكثيرين مثلي، كلما احتفلنا بيوم الإذاعة المصرية، الذي يوافق 31 مايو من كل عام.

“هل هناك مستقبل للراديو؟ هل سيختفي سحر ذلك الصندوق العتيق؟ هل ستبقى الإذاعة وسيلة إعلامية قادرة على البقاء رغم مغريات السوشال ميديا؟ وهل سيظل لها دور في عصر منصات التواصل الاجتماعي، أم أنها تتجه نحو التراجع والاندثار؟”

أسئلة كثيرة كنت أطرحها، وأنا بين خوف وقلق وترقب على ذلك البريق الذي كاد يخفت مع ثورة المعلومات والاتصالات، وانتشار الفضائيات، وتوسع استخدام الأدوات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي.

كان هذا السؤال يتكرر دائماً مع التطوّر الرقمي المتسارع:
هل ستبقى الإذاعة حيّة مع الإنسان على الأرض، أم أنها ستنقرض يوماً ما، لنقول عنها “كان يا ما كان”، بعد أن عفا الزمن على ذلك الصندوق السحري الذي غيّر وجه العالم، ومهّد لما جاء بعده؟

لم يعد هذا الهاجس ينتابني مع مرور الوقت، لأنني ببساطة شعرتُ أنّ التحول الرقمي ساهم في انتشار الإذاعة وتوسيع نطاقها، بل وتحسين جودة بثها وتنوّع محتواها بشكل سريع. وكأنّ هذا الصندوق الأثيري العجيب “الراديو” قد استطاع التأقلم والتكيّف مع التكنولوجيا الجديدة من بث وتخزين لكل ما يُذاع، على عكس ما كنتُ أتوقعه سابقاً.

لقد صمد الراديو ونجح في تخطي كثير من التحديات، بخلاف ما واجهته الصحف الورقية في العصر الرقمي. كما تحوّلت كثير من وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات ناقلة للأثير الإذاعي، مع تغطية الأحداث وتحليلها بشكل مهني، إلى جانب تقديم محتوى خدمي وترفيهي عبر العديد من المحطات الإذاعية، سواء العامة أو الخاصة. وبذلك حافظت الإذاعة على وجودها واستمراريتها، لتصبح هذا الصندوق الساحر داعماً ثقافياً واجتماعياً وفنياً، قادراً على الامتزاج والاندماج مع التحوّلات التكنولوجية المتسارعة وتأثيراتها في المجال الإعلامي.

ختاماً، سيبقى الراديو معشوقي الأول وحلمي الجميل الذي تحقق، حين خطت قدماي لأول مرة ذلك المبنى العريق، وأنا أتجوّل بسعادة بين أروقة استوديوهاته، أملأ عيني بكل ركنٍ يحمل بين جدرانه ذكريات حيّة لعباقرة الزمن الجميل.

شكراً من القلب لكل من ترك أثراً في جدار قلبي وصفحات أيامي، بكل ما قدّمه لي بشكل غير مباشر. شكراً لكل حرف وكل كلمة كانت بمثابة طاقة روحية دفعتني لأطلق العنان لخيالي.

ستبقى ذبذبات الراديو صوت السعادة في قلبي، والأمل والتفاؤل لروحي رغم كل التحديات والعثرات. وسيبقى للإذاعة سحرها وبريقها الخاص، لأنها الوسيلة التي تمنح متعة الخيال والأحلام، فتجعلك تسافر معها أينما تشاء، لترى ما تسمع، وتعيش ما تتخيل، وتغتني بما يلامس قلبك وعقلك، مهما تعددت وسائل الترفيه الأخرى.

ستظل الإذاعة تجذب الأذهان بكل صوتٍ يشدو بأجمل الأقوال وأعذب الأشعار. كل عيدٍ والإذاعة أكثر تأثيراً، وأكثر ارتقاءً بكل من يعمل فيها. وكل عام والإذاعة غذاء للروح والقلب.

*كاتبة ومُعِدّة برامج في إذاعة البرنامج الثقافي بالإذاعة المصرية… مصر


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.