عزالدين حماد
في البدء لم يكن يخاف من الكلمات؛ كان يخاف من الصمت الذي يليها. ذلك الصمت الذي يقف في طرف القاعة مثل شرطيٍّ بوجهٍ بلا ملامح، ينتظر أن يدوّن في دفتره: هل كانت هذه الجملة تستحق أن تُقال؟ وحين كان الشاعر يكتب وحده في غرفته الضيقة، كانت الكلمات تخرج متثاقلة لكنها صادقة، أما حين بدأ الناس يأتون إليه، حين صار اسمه يُنادى في المقاهي، اكتشف شيئاً لم يكتبه أحد في الكتب: الشهرة لا ترفع الشاعر، بل تضعه على منصةٍ عالية ليُرى وهو يسقط.
كان يسمع التصفيق لأول مرة. تعجّب: كيف يمكن لشيءٍ جميل في ظاهره أن يحمل هذا القدر من الفزع؟ ثم فهم تدريجياً أنّ التصفيق توقيعٌ جماعي على وثيقةٍ لا يقرأها أحد. ما إن يصفقوا حتى يصير النص ملكاً لهم، وتصبح القصيدة مثل حيوانٍ أليفٍ يجرّونه حيث يشاؤون، يطعمونه ما يشاؤون، ويبتسمون لأنهم “يفهمونه”.
في إحدى الأمسيات وقف أمام جمهورٍ واسع، وقرأ قصيدةً كان قد كتبها في ليلةٍ لم يَنَم فيها، قرأها بصوتٍ متردد، ومع كل بيتٍ كان يحس أنّ شيئاً منه يُسلَّم على الباب لشخصٍ مجهول. وحين انتهى، حدث التصفيق. عاصفة من الأيدي، ارتجفت ركبتاه. ابتسم ثم عاد إلى البيت، وألقى بالقصيدة في درجٍ كأنه يدفن جثةً.
في تلك الليلة حلم بأنه يسير في شارعٍ طويل مبلط بالحروف. كانت الحروف تتطاير مثل غبارٍ أسود، تدخل فمه وأنفه وتسدّ صدره. وفي آخر الشارع، كانت منصةٌ مضاءة، عليها ميكروفونٌ يتكلم وحده، يكرر اسمه بلا توقف. وكلما حاول أن يصرخ: “ليس أنا”، خرج صوته تصفيقاً بدل الكلمات. استيقظ وهو يلهث، ووجد في أذنه رنيناً كأنه ما زال واقفاً أمام جمهورٍ لا يغادر.
ومنذ ذلك اليوم صار يخاف من التصفيق لأنه صار يفهم لغته الخفية. التصفيق، في جوهره، ليس “أحسنت” بل “أعدها”. ليس “أنت حر” بل “ابقَ كما نحبك”. هو نوعٌ من الطوق، ناعمٌ في ملمسه، لكن من يحاول خلعه يشعر أنه يجرح جلده. لقد أدرك أنّ الشهرة تأتي ومعها موظفون غير مرئيين: موظف يحدد طول القصيدة المناسبة، وموظف يحدد موضوعاتها، وموظف يراقب المزاج العام، وموظف يضع ختم القبول على وجه الشاعر كل صباح. ومع الوقت صار يشعر أنه يعمل عند “الجمهور” كما يعمل الموظف في دائرةٍ حكومية: الحضور في الوقت المحدد، التوقيع، ابتسامة سريعة، ثم العودة إلى البيت وقد أُفرغت الروح من معناها.
كان يسأل نفسه: ما الذي يحدث للشاعر حين يصير مشهوراً؟
الجواب لم يكن مجازياً، يحدث له أن تُسحب منه غرفته. كانت الغرفة القديمة -التي يكتب فيها وهو يسمع صرير الباب ومواء القط في الزقاق- هي وطنه الوحيد. أما الشهرة فكانت تنقل غرفته إلى الساحات العامة: تضع سريره في المسرح، وتفتح نوافذه على ألف عين. حتى أحلامه لم تعد تخصه؛ صار الناس يريدون منه أن يحلم بشكلٍ جميل، بشكلٍ قابلٍ للنشر.
بدأت القصائد تأتيه خائفة. نعم، القصائد نفسها. كان يجلس أمام الورق فيرى الكلمات تتردد في الحضور. تقف على الحافة ثم تتراجع. يلمح صورةً ثم تختفي. كأنّ الشعر صار يعرف أنّ هناك جمهوراً يتربص خلف الباب، وأنّ كل كلمة تُكتب قد تُستخدم ضده يوماً ما: “هذه جملته المفضلة”، “هذا موقفه”، “هذه روحه”. لم تعد القصيدة تقفز من أعماقه؛ صارت تستأذنه بخجل، وكثيراً ما كانت تنصرف قبل أن يفتح لها.
وفي كل مرة يُدعى إلى أمسية جديدة، كان يشعر أنه يُستدعى للتحقيق.
“اقرأ ما كتبت”.
“ولماذا كتبت؟”.
“ولماذا لم تكتب غيره؟”.
اقرأ أيضاً
ما أحتاجه كشاعر
نايُ الروحِ الغريبة: في معنى الشِعرِ وحقيقتِه
درب الشاعر
أدب المقاومة: ملامح الهوية الفلسطينية عبر الكاريكاتير والشعر والرواية
إذا كان لا بد أن أموت
حجر كنعاني في البحر الميت
كان يرى على المقاعد وجوهاً متحمسة، لكنه كان يقرأ في ذلك الحماس نوعاً من الجوع. والجوع لا يعرف الشفقة؛ يبتلع. كانوا يريدون أن يلتهموا الشاعر لا قصيدته. يريدون أن يأخذوا منه اعترافاً صريحاً بأنه موجود من أجلهم. لقد صار يُطلب منه أن يشرح النص كما لو كان متهماً يشرح جريمته، وأن يبتسم للتصفيق كما لو كان يقبل الحكم.
شيئاً فشيئاً، بدأ يخاف من النجاح أكثر من الفشل.
الفشل كان واضحاً وبسيطاً: لا أحد يقرأك، فتعود إلى غرفتك وتكتب.
أما النجاح فهو فشلٌ مقنّع في هيئة مكافأة: يقرأك الجميع، ثم يطالبونك بأن تكتب بالطريقة نفسها إلى الأبد. النجاح يخلق نسخةً منك، ثم يُجبرك على تقليدها. وكلما حاولت الخروج عنها، ضربوك بتصفيقٍ بارد، كأنهم يصفقون لفكرتهم عنك. وهنا يصبح الشاعر كمن يرى صورته في مرآةٍ لا تعكسه، بل تعكس ما يريده الآخرون.
كانت الشهرة تقتحم حياته بأشكالٍ صغيرة: رسالةٌ من قارئٍ يطالبه بأن “لا يتغير”، مقالٌ يصفه بأنه “صوت جيلٍ كامل”، مقابلةٌ تسأله عن “سر عبقريته”. وللمفارقة، لم يكن يزعجه أن يمدحوه؛ كان يزعجه أن يحدّدوه. المدح هنا كان سياجاً. والعبقرية كانت قفصاً مزخرفاً. كل تعريفٍ يكتبونه عنه كان مسماراً جديداً في بابٍ يُغلق عليه.
وفي إحدى الليالي، قرر أن يختبر حريته اختباراً أخيراً. كتب قصيدة قصيرة جداً، لا استعارات فيها، لا زخرف، لا موسيقى متوقعة. قصيدة تشبه الاعتراف الصامت: “أنا خائف” لا أكثر. حملها إلى الأمسية التالية، وقرأها. صمت الجمهور. لحظةً طويلة، ثم جاء التصفيق… لم يكن عاصفاً. كان متقطعاً، مرتبكاً، كمن يصفق لأنّ عليه أن يصفق. في تلك اللحظة شعر براحةٍ غريبة؛ لأول مرة لم ينهَر السقف. لأول مرة لم يشعر أنّ التصفيق يملكه. بل شعر أنه يسمع التصفيق كما يسمع المطر: شيء يحدث خارج نافذته، لا يغيّر حقيقة أنه موجود.
خرج بعد الأمسية إلى الشارع. الهواء كان بارداً، والمدينة كانت تلمع أضواؤها. رأى لافتات تحمل أسماءً كثيرة، وشعر أنّ اسمه واحدٌ منها. لا أكثر. وفكر فجأة: ربما يكون خلاص الشاعر أن يقبل أنه ليس “رمزاً”، وليس “صوتاً”، وليس “قضية”. أن يعود إلى كونه إنساناً يكتب لأنّ الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي لا يخون فيها نفسه.
لم تتوقف الدعوات بعد ذلك. ولم تختفِ الشهرة. لكنها صارت، بالنسبة له، ككائنٍ ينام في غرفةٍ مجاورة: موجود، يُشخر أحياناً، يطرق الباب أحياناً، لكنه ليس صاحب البيت. تعلم الشاعر أنّ يترك التصفيق يمرّ من فوق رأسه دون أن يحطمه. وتعلم شيئاً أعمق: أنّ الخوف ليس عيباً في الشاعر، بل هو دليلٌ على أنّ الروح ما زالت حيّة، وأنها ترفض أن تتحوّل إلى سلعةٍ تُقاس بعدد الأيدي التي تضرب بعضها.
وهكذا صار يقول في نفسه، كلما سمع التصفيق:
ليس هذا ما يثبت أنني كتبت.
أما أنا… فأثبت تلك اللحظة الصامتة التي سبقت التصفيق، لحظة الوقوف وحيداً أمام جملةٍ لا تضمن لي شيئاً، لكنها تمنحني -بقسوتها- حقيقةً لا يستطيع الجمهور أن يصفق لها أو ضدها.



أضف تعليق