سلمان العمَّاري
ثمَّ مرَّ العمر…لا كما كنّا نظنّه سيمضي، ولا كما رسمنا له في البدايات.
ومع كل عامٍ مضى، سقط من أيدينا شيءٌ من ذلك الحرص القديم؛ حرصُنا على أن نكسب القلوب كلّها، وأن نفهم الناس جميعاً، وأن يرانا الآخرون بالصورة التي نحبها لأنفسنا.
ثم أدركنا أنّ القلوب ليست أبواباً تُفتح دائماً بحسن المعاملة، وأنك قد تُحسن إلى إنسانٍ فلا يرى من إحسانك إلا ما يريد أن يراه، وقد تمنحه من صدقك الكثير، ثم يصرّ على أن يقرأك من الصفحة التي اختارها لك. فتخلّينا عن محاولة إقناع الجميع بنا؛ لا جفاءً ولا قسوةً، ولا لأننا لم نعد نحب الناس، ولكن لأننا عرفنا أنّ بعض الأحكام لا يغيّرها كثرة الشرح، وأنّ بعض المسافات لا تُقطع بمزيدٍ من الركض.
وتخلّينا كذلك عن ذلك اللهاث الطويل خلف ما لم يُكتب لنا؛ عن أبوابٍ أرهقنا طرقها، وفرصٍ حسبنا أنّ ضياعها يعني ضياع العمر، وأمنياتٍ أقنعنا أنفسنا طويلاً بأنّ سعادتنا لن تكتمل إلا إذا بلغناها.
ثم مرَّ العمر… فاكتشفنا أنّ الحياة كانت أرحم بنا مما ظننا.
كم من شيءٍ بكينا لأننا لم نحصل عليه، ثم عرفنا بعد سنوات أنّ عدم حصولنا عليه كان نجاة. وكم من بابٍ أُغلق في وجوهنا، فظننّاه خسارة، ثم اكتشفنا أنّ وراءه أذًى لم نكن نراه، أو طريقاً لم يكن يليق بنا.
لم يكن ما مضى من العمر سهلاً؛ كان طريقاً طويلاً تعلّمنا فيه كثيراً، لكننا دفعنا ثمن دروسه من أعصابنا وقلوبنا وطمأنينتنا وبعض سنواتنا. ولهذا، لم نعد نريد أن نبدّد ما بقي من العمر في مراقبة الناس، أو تفسير مواقفهم، أو ملاحقة ظنونهم، أو محاولة تغيير الصورة التي رسموها عنا.
من أحبّنا بصدق، فله في القلب مكانه الدافئ، ومن أساء فهمنا، فليس علينا أن نقضي بقية أعمارنا نشرح أنفسنا له.
لقد تغيّر معنى النجاح أيضاً. لم نعد نريد أن نصل قبل الجميع، ولا أن نملك أكثر من الجميع، ولا أن ننتصر في كل معركة، ولا أن نثبت لأحدٍ أننا نستحق شيئاً. صار يكفينا أن نعيش بسلام؛ أن ننام وقلبنا أقلّ ازدحاماً، وأن نعرف متى نبقى، ومتى نرحل، ومتى نصمت، ومتى نترك الشيء يمضي دون أن نمدّ أيدينا إليه مرةً أخرى.
ومع هذا كله، هانت علينا الدنيا بما فيها من اللذائذ، وما يعتمل فيها من الحسد والحقد والكراهية؛ لا كراهيةً لها، ولا انقطاعاً عن الحياة، ولكن لأننا رأينا حقيقتها على نحوٍ أهدأ وأعمق، فعرفنا أنّ ما يستحق أن نبذل له أعمارنا ليس كثيراً.
لم يبقَ في النفس إلا رغبةٌ في الخير: نفعله، وندلّ عليه، ونفرح إذا رأيناه ينتشر؛ وإعراضٌ عن الشر: نهجره، وندفعه ما استطعنا، ونحذّر منه دون أن نحمل في قلوبنا ضغينةً على أحد.
وما أجمل أن يبلغ المرء من صفاء النفس وطمأنينتها مبلغاً، فلا يعود يعنيه من الدنيا كثرة ما يملك، ولا مقدار ما ينال، ولا كيف يراه الناس؛ وإنما يعنيه أن يكون في يومه خيرٌ يفعله، أو شرٌّ يدفعه، أو قلبٌ يجبره، أو أثرٌ طيبٌ يتركه.
عندها تخفّ الدنيا في العين، لا لأنها فقدت قيمتها، بل لأنّ القلب لم يعد معلّقاً بكل ما فيها. نأخذ منها ما يكفينا، ونترك ما يثقلنا، ونمضي إلى الله بقلبٍ أخف، ونفسٍ أصفى، ويدٍ تمتد إلى الخير، ولسانٍ يدلّ عليه.
فقد أدركنا، بعد كل هذا الركض، أنّ العمر ليس مسابقةً ينبغي أن نفوز بها، وأنّ الوصول ليس دائماً هو النجاة. أحياناً تكون النجاة في أن تتوقف، وأن تنظر إلى الطريق الذي أتعبك طويلاً، ثم تعرف بهدوء: ليس كل طريقٍ يستحق أن أُكمله، وليس كل بابٍ يستحق أن أطرقه، وليس كل شيءٍ أستطيع الوصول إليه يستحق أن أبلغه.
ثمَّ مرَّ العمر…
فلم نعد نبحث عن حياةٍ كاملة، بل عن قلبٍ مطمئن. ولم نعد نريد أن نصل إلى كل شيء، بل أن نصل إلى الله دون أن نفقد أنفسنا في الطريق. ولم نعد نسأل: ماذا أخذنا من الدنيا؟ بقدر ما نسأل: ماذا تركنا فيها؟ فربما كان أجمل ما يتركه الإنسان وراءه: خيراً انتفع به الناس، وشراً حال دونه، وقلباً لم يخرج من الدنيا حاملاً حقداً على أحد، وأثراً طيباً يبقى حين يمضي هو.
فبعد عمرٍ من الركض، لم تعد الغاية أن نصل إلى كل ما أردناه؛ بل أن نعرف، أخيراً، ما الذي لا يستحق أن نركض خلفه، وما الذي يستحق أن نمضي إليه حتى نلقى الله.



اترك رد