على مقام مدينة بلفاست وناي آل ماكدرموت

دعاء هزاع الجابري – اليمن

في “بلفاست” تلك المدينة التي تموج بين سواحل أيرلندا الشمالية، ولا تكتفي بأن تُرى، بل تُصغي لمن يعرف كيف يسمعها، عاش رجل يدعى “إيوان أوكونور”، آخر أبناء عائلة موسيقية قديمة تُعرف باسم “آل ماكدرموت”، وهي عائلة تناقلت الألحان كما تتناقل الأشجار جذورها، حتى غدت الموسيقى في بيتهم إرثاً أقدم من الحكايات. غير أنّ “إيوان” لم يكن يشبه أحداً منهم؛ كانوا يرون الموسيقى طريقًا إلى المسارح، بينما كان يراها هو طريقاً إلى الأرصفة المبتلة بعد المطر. كانوا يعزفون ليصفق الناس، أما هو فكان يعزف كي لا تشعر المدينة بالوحدة. وكان “ناي” المصنوع من خشب الطقس الإيرلندي الرطب يعرف أصابع صاحبه كما تعرف الأم ملامح طفلها في الظلام. كان يقول: إنّ المدن لا تقاس بعدد شوارعها، بل بعدد الألحان التي تستطيع الاحتفاظ بها حين يرحل أصحابها. ولهذا لم تكن “بلفاست” بالنسبة إليه مدينة يُعاش بها كغيرها من المدن، بل مقطوعة موسيقية كاملة، تبدأ مع ضوء الفجر فوق نهر “لاغان”، وتكتمل عند المساء حين تلامس الريح حجارة الأزقة العتيقة. وكان إيوان يعتقد دائماً أنّ تغيير نغمة واحدة منها يشبه اقتلاع حجر من أساس كاتدرائية قديمة. لذلك كان الغرباء أيضاً إذا دخلوا “بلفاست” للمرة الأولى ظنوا أنهم سمعوا المدينة قبل أن يروها؛ فقد كان صوت الناي يسبقهم إلى الميناء، ويتسلل مع الضباب إلى النوافذ، فيصبح اللحن أول مصافحة تمنحها المدينة لضيوفها.

وفي مساء خريفي لهذه المدينة التي تسكنه، التقى إيوان بـامرأة تدعى “نورا كالهان” خلال أمسية موسيقية في قاعة صغيرة تتدلى من سقفها مصابيح صفراء تشبه الذكريات البعيدة، وأخبرته أنها تعشق “بلفاست” كما يعشقها هو. قالت له: إنّ المدن التي تُحب لا تُغادر، ووعدته أنّ جذورها ستنمو في هذه الأرض، وأنّ الريح التي تعبُر سماء المدينة ستظل تحمل اسميهما معاً. ولأنّ إيوان كان يؤمن أنّ الموسيقى لا تكذب، صدق الكلمات التي خرجت من فمها وهي تستمع إلى نايه. لكن الزمن، كما البحر الإيرلندي تماماً، لا يمنح السفن جميعها مرفأً آمناً. فبعد أشهر قليلة جاءت “لكالهان” فرصة للعمل في مدينة بعيدة، ولم تحتج إلى وقت طويل لتختار الرحيل. ورحلت كما ترحل الطيور عند تبدل الفصول، دون أن تنظر إلى الشجرة التي بنت فوقها عشها. حينها فهم إيوان أنّ بعض الناس يحبون المدن ما دامت تمنحهم ما يريدون، فإذا اتسعت لهم خرائط العالم ضاقت في قلوبهم الأمكنة الأولى. كان وجع إيوان عميقاً، لكنه لم يخاصم الناي؛ فكان يجلس عند ضفة النهر، ويترك أنفاسه تتحول إلى موسيقى، وكأنّ المدينة تربت على كتفه كلما انكسر. فقد كانت “بلفاست” تعرف كيف تضم أبناءها دون أن تتكلم، كانت تواسيهم بالمطر وتعيد إليهم الطمأنينة برائحة الخشب القديم، وبأجراس الكنائس التي كانت تتردد فوق الأسطح الحجرية مع حلول المساء.

ومرّت أعوام أخرى، وفي أحد أيام الربيع وصل إلى “بلفاست” رجل اسمه “ريان فيتزجيرالد”، بدا مفتوناً بتاريخها ومفتوح القلب لكل ما يرويه إيوان عن شوارعها وأسواقها وحكاياتها. رافقه طويلاً وأدخله البيوت القديمة، وأراه الزوايا التي لا تظهر في كتب السياحة. وحين انتهى الزائر من كل ما جاء من أجله، غادر؛ لم يترك رسالة، ولم يودع أحداً، وكأنّ المدينة لم تكن بالنسبة إليه سوى محطة عابرة على طريق أطول. عندها أدرك إيوان أنّ البشر كثيراً ما يستعيرون دفء الأماكن، لكنهم نادراً ما يعيدون لها شيئاً من وفائهم. وفي تلك الليلة، بينما كانت الأمطار تنقر زجاج نافذته، قال إيوان بصوت لم يسمعه أحد: “ربما لا يُخلق الإنسان ليجد أكثر من وطن واحد يبادله الإخلاص، وأنا وجدته منذ ولادتي”.

وفي صباح اليوم التالي اشترى متجراً صغيراً في شارع هادئ من شوارع “بلفاست”، وأطلق عليه اسم “لحن بلفاست”، لم يكن متجراً كغيره من المتاجر، بل اعترافاً بالحب الكامن في القلب. كانت القهوة تفوح من ركنه الخشبي كل صباح، وكانت النوافذ المفتوحة تسمح للموسيقى بأن تختلط بصوت المارة، حتى بدا المكان كأنه قلب صغير ينبض في صدر المدينة. لم يكن يبيع الآلات كعادة المتاجر الموسيقية، بل كان يمنح الزائرين فرصة لأن يسمعوا “بلفاست” كما سمعها هو منذ طفولته. كان الداخل إليه يشعر أنّ الزمن يبطئ خطاه، وأنّ الجدران تحفظ أصوات الذين مروا بها، وأنّ كل نغمة عالقة في الهواء تحمل أثر روح لم تغادر. وأصبح أهل المدينة يقصدونه كلما ضاقت بهم الأيام؛ لم يكونوا يشترون شيئاً دائماً، فقد كان يكفيهم أن يجلسوا قليلاً، يحتسوا فنجان قهوة، ويستمعوا إلى ناي إيوان، ليخرجوا وهم يشعرون أنّ “بلفاست” ما تزال تعرف أسماءهم.

وفي إحدى أمسيات الشتاء، حين اكتست المدينة بضبابها الفضي، وقف إيوان أمام متجره ورفع نايه نحو السماء، وعزف لحناً لم يسمعه أحد من قبل. لم يكن لحناً حزيناً ولا سعيداً، بل كان يشبه مدينة عرفت كيف تبقى حين رحل الجميع. وحين انتهى من عزفه، خُيّل إليه أنّ الريح لم تحمل الموسيقى بعيداً، بل أعادتها إليه، كأنّ “بلفاست” نفسها كانت تقول: “كل من أحبني بصدق، لن يكون غريباً عني أبداً،” وفي تلك اللحظة فقط، أدرك إيوان أنّ الوفاء ليس عهداً بين إنسان وآخر، بل بين الروح والمكان الذي منحها اسمها الأول. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الناس يقولون: “إنّ في بلفاست متجراً للموسيقى”، بل كانوا يقولون: “إنّ في أحد شوارعها قلباً قديماً ما زال يعزف، كي لا تنسى المدينة نفسها”.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


Comments

اترك رد

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة