محمد الصغير

يمكنك أن تتخيل ما سيحدث، ستظهر أمامك أشكال هلامية، بعضها أبيض، وأخرى تميل إلى السواد، تسير في طريقك، تعرف أنك في الحلم يمكنك أن تذهب حيث تشاء، قد تحط أقدامك في شوارع نيويورك، تتمشى بين كتل بشرية هائلة، الجميع يخطو بخطى سريعة، حياة لا تتوقف، ممالك نمل تتصارع على وجودها بالبحث الدؤوب عن لقمة العيش المغمسة بالعرق والتعب، وقد تحط أقدامك على شواطيء غزة، تلك المدينة الساحلية التي لطالما حاربت كل أصناف الشر في هذا العالم، ووقفت كحائط صد أمام جحافل الأعداء.

في طريق حلمك الذي اخترته، يظهر لك الهلامي الذي يميل للسواد، ليصدك، يقف كعائقٍ أمامك، من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟ هذه منطقة لا ترحب بالغرباء، عُد يا هذا إلى صوابك، وحيث كنت، على الأرض، لسان حاله يُخبرني أنني قد تورطت في أشياء عظيمة، لقد تجرأت وحلمت، هذا كل ما في الأمر، وهذا الهلامي، يرى أنّ ما صنعته يفوق قدرتي، وأنّ عليّ العودة إلى حيث يجب أن أكون، إلى الأرض، وكأنه يقول: “التصق بها.. لا تحلم.. هل فهمت؟”.

يستفزني هذا الكلام، وبينما يشتعل الغضب بي، والدخان يكاد يصعد من رأسي، يظهر أمامي الهلامي الملائكي، الأبيض، يبتسم ابتسامته بريئة، “مرحباً”، في البداية لا أستسيغه، “من تكون؟”، يأخذ بشرح القصة كاملة، كان هذا الهلامي الذي مضى، شريراً، هكذا يمكنك أن تقول، لا يحب أن يرى أحداً يحلم، أو مجرد محاولة الحلم، لأنه بحلمه سيخترق العالم كله، سيذهب حيث شاء، وكيفما شاء، وهذا لا يعجبه، لأنه سيفقد سيطرته، وسيكون بلا وظيفة بالفعل، فكل ما عليه القيام به، هو تثبيط الناس، كل الناس عن أن تحلم، وكأنّ لافتة مطبوعة على جبهته: “لا تحلم.. فالحلم يسرقك مني، ولا أحب أن أراك تبتعد عني”، هذا لسان حاله.

“جميل.. ومن تكون حضرتك؟”، قلتُ له، نظر لي نظرة دافئة، أجابني باستخفاف، “من أكون؟!”، شعرتُ بالإهانة، من يظن نفسه، هذا الهلامي، تابع حديثه:“اسمع”، وأخذ يطير بي في عوالم لا حدود لها، ذهبنا إلى كل الأماكن التي طالما حلمت بها، ولم أكن أجرؤ في ذلك الوقت على المحاولة، مجرد محاولة الحلم، والخروج من قوقعتي، أدهشني جمال ما صنعه معي، لم أصدق، هل هناك من يمكنه أن يقدم معروفاً دون مقابل، لم أعطه شيئاً، على العكس تماماً، رفضته بالبداية، وهمّشته، لولا أنه لم يلتفت إلى غبائي، وأشفق عليّ، فأنا لا أعرف، نعم لا أعرف، جمال الأحلام، وروعتها، لذلك، هو لم يُسجلها عليّ.

“لماذا لم نكن نحلم؟”، أظهرت مخاوفي، وشكي بما أفعله، لكنه ببصيرته، ورجاحة عقله، أرشدني إلى أنني لم أكن ناضجاً بعد، وأنني مازلت أخشى الأحلام، لأنها ليست حقيقية، وهذا صحيح، ولكن يمكنك أن تعيش لأجل حلم واحد، وتحققه، قالها ببساطة، وكأنه قد شقّ صدري، وطبعها عليه، “ما هذا الجمال!”، لم أصدق كلامه، لأنني لا أريد تصديقه، فينتهي اللقاء سريعاً، أريد أن أكذبه ليستمر في الحديث، ولا يتوقف، خشيت أن يذهب ولا يعود، أدرك هذا الشيء الهلامي مقصدي، ربت على كتفي، “سأبقى معك.. كلما استدعيتني”، لم أصدق، وكأنه سحرني، تبقى معي، إلى الأبد، وحتى عندما أطرق باب الثمانين أو التسعين، ستبقى معي، “بلا شك”، ومع هذا، كانت الوساوس تدور في رأسي، “لماذا لا أرى من حولي يتكلمون عن أحلامهم؟”، لأنهم لم ينضجوا بعد، ولم يصلوا إلى حيث وصلت، خطوت خطواتك بثبات، طرقت الباب بقوة، فظهرت لك الحقيقة، كان يمكنك أن لا تصدقني، وتبقى على حالتك السابقة، تركن إلى الأرض، وتنتهي القصة، فتصير مع ذاك الهلامي الأسود، لكنك ناضلت، عندما أريتكَ الأحلام، وعلى الرغم من أنها ليست حقيقية، إلا أنك تمسكت بي، ولا تريدني أن أغادر عالمك، نحن لا نغادر عالم أحد، يفتح أبوابه على مصراعيها، مُرحّباً، وأنت رحبت، وتفوقت على الشخص البسيط القابع في أعماقك، نفضت غبار الأفكار الواهية والخادعة، وقررت أن تضع قدمك على بداية الطريق، “وها نحن معاً”.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


Comments

اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة

اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة