زينب سعداوي
كان المساء عادياً حدَّ الرتابة…
جلست مع أحدهم، الأقرب إلى قلبي، من كنت أناديه سندي.
نتقاسم الأحاديث الخفيفة، ضحكات متقطعة، ونظرات مطمئنة. كنت أبتسم دون جهد، أراقب الوجوه المألوفة كمن يحتمي بتاريخٍ من الألفة.
لكن جملة واحدة سقطت بينهم كحجرٍ في بركة راكدة… قلبت كل شيء.
قالها بصوتٍ عابر، وهو يضحك:
“إنها تحلم كثيراً، لكنها لن تنجح أبداً، تتوهم… الرهان الأكبر أنها ستفشل، كما فشل غيرها.”
ضحك الآخرون.
أما أنا، فابتلعتُ صمتي وأنفاسي كجرعة مريرة. شعرتُ حينها بانكسار داخلي لا يسمع صداه سواي.
كان وَقْع الكلمات أثقل مما يُحتمل، لأنها جاءت ممن ظننته الأقرب إلى قلبي، فبدت كطعنةٍ من يدٍ كنت أبحث عندها عن الأمان.
تلك الليلة، عدتُ إلى غرفتي، وفي داخلي عاصفة.
أغلقت الباب، وأسندتُ ظهري إليه، كمن يصدُّ العالم بأكمله.
واجهت وجهي في المرآة، فوجدتُ عينين مثقلتين بالخذلان تتساءلان:
“هل حقاً أنا كما يقولون؟.. مجرد ظلٍّ لحلمٍ لن يكتمل؟”
في لحظةٍ صامتة، انبثق من أعماقي صوتٌ خافت، كشرارةٍ في ليلٍ معتم:
“لن أسمح لهم أن يكونوا على صواب.”
اقتربت من مكتبي، فتحت دفتري، وكتبتُ بخطٍ متردد أول الأمر، ثم أكثر ثباتاً:
“سأنجح… ولو كل العالم راهن على فشلي وسقوطي.”
لم تكن جملة عابرة، بل كانت قسماً.
لحظة فاصلة بين ما كنتُ، وما سأكون.
منذ ذلك الحين، بدأت أنفض غبار الهزيمة عن كتفي. رتبتُ فوضاي الداخلية قبل أوراقي، وأمسكتُ بخيوط أحلامي المبعثرة.
لم يعد هدفي أن أثبت لهم قيمتي، بل أن أستعيد نفسي لنفسي، أن أكون مرآتي، لا مرآة عيونهم.
كانت الطريق وعرة، سقطت، بكيت، انطفأت.
لكنني في كل تعثر كنت أستحضر تلك اللحظة: الضحكة الساخرة، الكلمات القاسية، الرهان على فشلي وسقوطي.
فكانت وقوداً ينهض بي من تحت الرماد.
ومضت الأيام، وجاء اليوم الذي وقفت فيه على منصةٍ ليُعلن اسمي أمام الملأ. كان التصفيق يملأ القاعة.
وكان حلمي الذي وصفوه بالوهم يتجسد أمامي حياً.
ابتسمتُ. لم يكن انتصاراً على الرهانات فقط، بل كان ميلاداً جديداً لذاتي.
اليوم، حين أنظر في المرآة، أرى وجهاً آخر: وجه امرأة أكثر صلابة، أكثر قوة ووفاءً لأحلامها، وأكثر رفقاً بنفسها.
لقد علمتني تلك الطعنة أنّ الانكسار قد يكون بداية، وأنّ قراراً صغيراً يُتخذ في لحظة ألم قد يغيّر مسار حياةٍ كاملة.
تلك هي لحظتي المفضلة.
اللحظة التي لم يعد بعدها العالم كما كان: لحظة قلتُ لنفسي:
“انهضي… وسترين.”



اترك رد