محمود عاطف الخرشه

قرر أن يهجر الحي الذي يسكنه منذ أن كان لا يملك من أمره غير تنفيذ الأوامر، والغرق في بحر الطلبات لقلة حيلة. ذلك الحي الذي تشكّلت فيه شخصيته، وامتلأت فيه ذاكرته، وتنامت فيه معارفه وخبراته.

كان ذلك القرار بعد جلسة عاصفة، مليئة بالعواصف، والرأي والرأي المخالف، والأفكار المتضاربة. تلك الجلسة التي أدارها وحده مع نفسه، لكنه لم يسلم من الضجيج والصراخ واحتدام الخلاف، ببساطة لأنه كان ديمقراطياً، إذ سمح للجميع بإبداء الرأي، ولم يحتكر الكلمة، ويضع رقيباً على الأصوات المخالفة والأصوات النشاز.

ولما لم يجد فرجة أمل للوصول إلى حلّ مما يعاني، قرر الإنصات والبقاء في دائرة الاستماع حتى النهاية.

انفض سامر من مجلسه، ليجد شخصه وحده أمام نفسه. بدأ يفكر بهدوء بعد أن تلاشت كل الأصوات والأفكار. أدرك وحده أنّ خيار البقاء في الحي هو السبب لتكسير كل مجاديف ذلك الصياد، الذي بقي يصارع عتمة البحر وأهوال أمواجه العاتية والممتدة، تلك التي كلما حمل عليها وجدها فراغاً، وكلما ابتعد عنها وحاول تجاهل سكاكينها وجدها تُحكم قبضتها، وتقلق مضجعه، وتحبس أنفاسه تحت ثقل عُباب البحر.

قرر أخيراً الرحيل عن سموم العفن الذي عشعش وتنامى، وقرر أن يضع حاجزاً ويبني سداً فاصلاً بينه وبين كل ما تعمّق في الذاكرة وتشرنق فيها، وأشغل حجماً واسعاً من مساحتها، في الوقت الذي هو في حاجة إلى كل ذرة من مساحة الذاكرة لنثر قطرات الندى، ونشر نسائم الغاردينيا والجوري، وابتسامات الطمأنينة، واختيال باقات الارتياح، بعيداً عن دائرة الندم والتحسر.

عندئذ هجر ذاته إلى ذاته، ليجد نفسه بين ضجيج الأيام وثقل الذاكرة.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق