رضوى العسكري
لم يعرف كيف سيخبرها بالأمر. كان يخشى عليها من وقع هذا الخبر في نفسها. ماذا يفعل؟
فكر كثيراً؛ هل يأتي الصباح فيذهب دون أن يخبرها بشيء؟ لكن شيئاً ما في داخله كان يريد أن يذهب إليها، شيئاً يخشى ألا يلقاها مرة أخرى.
ليكن وداعاً إذاً.
خرج ليلاً، وأصوات الرصاص تقطع سكون الليل. كانت الحرب على أشدها، والشوارع تعبق بالأدخنة الخانقة، والعامة يختبئون في بيوتهم ولا يعرفون للنوم سبيلاً، لكنه كان ذاهباً إليها رغم كل شيء.
وصل إلى بيتها. تردد قبل أن يطرق الباب، لكن صوت انفتاحه قطع تردده.
فتحت له مبتسمة، وهي ترتدي طرحة الزفاف. كانت تجربها لترى كيف سيكون شكلها في ليلتها المنتظرة.
جذبته إلى الداخل قائلة:
– كنت أشعر أنك ستأتي، ادخل سريعاً من هذه الأجواء الكئيبة.
تعجب منها قائلاً:
– العالم يحترق في الخارج، وأنت تتجهزين لحفل الزفاف؟!
عقدت حاجبيها وقالت:
– لا أبالي إن احترق العالم ما دمت بجانبك. لا نعلم متى ستنتهي الحرب، ولا نعلم ما ينتظرنا، لكني أريد أن أقضي ما بقي من حياتي بجانبك.
ثم أكملت بحماس:
– لم يبقَ على حفل زفافنا سوى أيام. صحيح أنه سيكون بسيطاً، لكن لا بأس. أنا سعيدة حقاً.
اضطرب. تاهت الكلمات عن فمه، وأخذ يدير وجهه متحاشياً النظر إلى عينيها.
لاحظت اضطرابه فسألته:
– ما بك؟
أجاب مستسلماً:
– سأذهب للتجنيد غداً، لكن… لكن… هذا أمر خارج عن إرادتي، لقد تم استدعائي.
قاطعته والدموع تنهمر من عينيها:
– أنت تمزح، أليس كذلك؟!
حاول أن يتمالك نفسه وقال:
– سأعود، صدقيني. ستنتهي الحرب وسأعود إليك، ولن يصيبني مكروه. أنا أعدك.
استدار ورحل.
خشي أن يبقى فتصيبه دموعها بالوهن فيتقاعس.
رحل وهو لا يعلم إن كان سيفي بما وعد أم لا.
مرّت السنون تتبعها السنون.
خبت نيران الحرب فترة، ولم تخبُ نيران الحب والثأر هنيهة.
وذات يوم، سطعت الشمس على صِبية يلعبون لعبة تُسمى «جنازة الشهيد». صبي على لوح خشبي، والبقية يحملونه ويمشون به في سعادة، بل والأدهى أنّ أكثرهم سعادةً هو الشهيد!
وعلى بضعة أمتار ارتسمت ابتسامة عزّة على وجه عجوز أعزب يُدعى «خالد». كان يتابع هؤلاء الصبية في نشوة، ثم أكمل طريقه حتى وصل إلى مبتغاه:
المقابر.
تباطأت خطواته، وأصابت جسده رعشة اعتادها كلما تردد على هذا المكان.
ولما جلس إلى قبرها، اتخذت دموعه مجراها، واختنق صوته مدثراً إياها بالوعود؛ وعود خرجت من قلب رجل حر.
قال:
– ما زلتِ هنا…
وأشار إلى قلبه ثم أردف:
– لقد وفيت بوعدي وعُدت لكِ، لكنكِ أنتِ من غادرتِ يا ريحانة.
عدت فوجدت البيت رماداً…
كان الحي بأكمله رماداً!
لعنهم الله…
قتلوكِ يا ريحانتي، وما زالوا يعيثون في الأرض.
لكني أقسمت لكِ، وما زلت على عهدي، بأني سأظل أقاتلهم حتى تخمد أنفاسي.
سأموت…
لا شك في هذا.
ولكن لا خوف على هذه الأرض ولا حزن.
سيظل يخرج من بطون نساء هذه الأمة من يقاتل حتى تكون كلمة الله هي العليا.
المجد للشهداء.



أضف تعليق