رضوى العسكري
على كرسيٍّ عتيق يتوسط دائرةً من الشموع والدماء، جلست تؤدي طقوس الولاء؛ دُهْمَة، ابنة السحر والظلام، ملكة الحكايات ومخبرة النبوءات، العرجاء ذات التسع أصابع.
أنهت طقوسها، ثم خرجت من كهفها، فإذا بالجموع تلتف من حولها، تعلو وجوههم علامات الترقب والحذر، فالليلة ستحكي دُهْمَة نبوءتها التي ستقلب حياة أهل القرية رأساً على عقب.
جلست على إحدى الصخور وبدأت تتلو عليهم النبوءة:
– الليلة سيسقط القمر على الأرض، وتفيض البحار، ويموت كل حي، ولن يبقى أحد!
ساد الهرج والمرج، وتصاعدت صرخات الأطفال في فزع، وأمهاتهم يحاولن تهدئتهم وهن لسن أقل منهم فزعاً، بينما أخذ الرجال يطرحون الأسئلة تباعاً:
– إذاً ما العمل؟ أخبرينا.
– هل انتهى الأمر أم أنّ هناك سبيلاً للخلاص؟
– أرجوكِ يا سيدة دُهْمَة، لا تبخلي علينا، لا نريد أن نموت.
قاطعتهم وهي تنظر جهة الشمال:
– هناك حل وحيد… القربان.
ترددت الكلمة في أذهانهم:
قربان!
سألت إحدى النساء، وكل قسماتها ترتعش خوفاً:
– قربان لمن؟ وما هذا القربان؟
أجابت، وعيناها ما زالتا معلقتين بجهة الشمال:
– قربان بعقلٍ به خلل؛ عقلٍ يكذب الصدق ويصدق الكذب.
أخذ الرجال يفكرون ويتشاورون حول صاحب هذه الصفات، ثم اندفع أحدهم قائلاً وهو يشير إلى أحد الرجال:
– هذا هو، هذا من يستحق أن يكون قرباناً.
وقال آخر مشيراً إلى الرجل نفسه:
– هذا الرجل ما ترك حقاً إلا كذّبه.
ووافقهما ثالث قائلاً:
– يا دُهْمَة، لقد اخترنا القربان. سنضحي به حتى تسلم الأرض وتستمر الحياة.
ثم أخذ ينادي في بقية الرجال:
– يا رجال، هيا أمسكوا به، لا تجعلوه يهرب.
اندفعوا نحوه، بينما ظل الرجل ثابتاً. لا يُعلَم أكان ذلك ثبات قوة أم استسلاماً، لكنه ظل يردد:
– لن ينجو أحد منكم… لن ينجو أحد.
لم يعبؤوا بكلامه، فقيدوه ثم سألوا دُهْمَة:
– ماذا نفعل الآن؟
فأجابت:
– أخرجوا عقله الطازج وأعطوني إياه فوراً لأضعه هنا.
ثم أشارت إلى صندوق حديدي كانت تحمله بين يديها، وأكملت:
– لكن احذروا… احذروا أن تلمسوه حتى لا يصيبكم ما أصابه. ارتدُوا ما يَحُول بين أيديكم وعقله الفاسد. أما عن دوري، فسأذهب في سفر إلى جبل الشمال، حيث سأقدم القربان على قمته، فيهدأ القمر وتحيا القرية في سلام.
أخرجوا العقل، وتخلصوا من الجثة، وأكملت دُهْمَة مهمتها بنجاح، ثم عادت لتبشرهم بانتهاء الأمر.
اليوم وُلدت القرية من جديد؛ انتهى الشر، وسلم الناس…
ومات شيخ القرية!



أضف تعليق