رضوى العسكري
– اترك سيرتك الذاتية وسنتواصل معك.
بضع كلمات معدودات، لكن أثرها عليه كان كالمطرقة تطرق أبواب صبره.
طفح الكيل! نفس الجملة التي ترددونها دائماً، قولوا: “مرفوض”، أهون علينا!
أخذ أوراقه وخرج، دافعاً الباب من خلفه، ضارباً أي فرصة لقبوله في مقتل، في القطار، أخذ يقلب وجهه في الكراسي الفارغة من حوله؛ لا غريب معه يبث له شجاً من أحزانه.
– حتى القريب كلامه يسمم البدن.
قالها وأتبعها بزفرة متعبة. تراه حراً، لكنه يشعر أنه مكبل بأغلال غليظة، أولها بضع كلمات تكررت على مسامعه طيلة الأيام الفائتة منذ فقد وظيفته وجال في الشوارع يبحث عن غيرها:
“أفعالك الخبيثة هي التي تجعل الكل يرفضك. قل لي: من أين سنأكل أنا وأولادك؟ أسنعيش على قمامة الجيران كل يوم؟ بئس القرار حينما تزوجتك!”
ازداد حزناً واستعبر، فتطلع إلى السماء مختنقاً بالكلمات، وحينها تذكّر رب السماء.
الآن تذكره…
تمتم ببضع دعوات غير مرتبة، يرجو الله أن يفرج عنه، وأن يصلح شأنه، تذكر حاله الأول، كيف كان يلقب بقارون زمانه، ثم هو الآن لا يكاد يملك قوت يومه، وفي غمام حزنه، التفت إلى صف المقاعد على يمينه، فوجد أحد الركاب جالساً يعلو وجهه كمدٌ وألم.
لا يعلم في أي محطة ركب هذا، ولا يهتم، سيبتلع حزنه وحده، ولما كاد يستسلم إلى أحزانه مرة ثانية، دلف راكب آخر. كاد يشيح بوجهه عنه لولا ما رأى، لقد كان هذا الراكب يشبه كثيراً الراكب الأول، يكاد يكون هو؛ تعلوه نفس علامات الكمد والألم، فطمأن نفسه بأنه يهذي من شدة الإرهاق.
التفت وعاد إلى حزنه، يتساءل:
تُرى كيف سيكون غده؟
هل سيظل البؤس محيطاً به؟
والحزن؟
أسيظل يكسو وجهه؟
كهذا الراكب الآخر الذي دلف لتوه فأثار دهشته:
– يا للدهشة! إنّ هذا الرجل يشبه أيضاً الجالسين حولي! بنفس الحزن الذي يعلو وجوههم. هل أصابني الجنون؟!
حسناً، يبدو أنني مرهق جداً، وأتخيل أشياء غير صحيحة. أنا بحاجة إلى…
قطع تفكيره فوجٌ من المتشابهين.
كلهم بنفس وجوه الثلاثة السابقين.
دلفوا كلهم دفعة واحدة، وكانوا تلك المرة يحدقون به، في عينيه مباشرة.
وعندما لاحظ ما لاحظ تلك المرة، شهق شهقة كأنها شهقة الموت…
كل هؤلاء الغرباء المتشابهين، الذين يحملون نفس الملامح، يحملون ملامحه هو.



أضف تعليق