محمد أحمد علي
ليست دراسةُ الآداب، ولا فقهُ تاريخها، مما يدخل في باب التخصص، ولا مما يلائم فريقاً دون فريق؛ لأنّ الأدب جزءٌ من روح كل إنسان، وقبسٌ من النور في كل قلب، والخصيصةُ التي تميز بها بنو آدم عن كل حي. فبِه تسمو الأخلاق، وتزكو النفوس.
يقول الشاعر أبو تمام:
وَلَوْلَا خِلَالٌ سَنَّهَا الشِّعْرُ مَا دَرَى
بُغَاةُ النَّدَى مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْمَكَارِمُ
ألَّف أحمد حسن الزيات كتاب «تاريخ الأدب العربي» سنة ١٩١٦م، في وقتٍ لم يكن فيه البحث في تاريخ الأدب قد نضج، بل لم يكن قد أُلِّف في هذا المجال إلا كتاب حسن توفيق، وكتاب جورجي زيدان، وكتاب الرافعي. وكانت الساحة خالية، فقام الأديب الأريب بإخراج هذا الكتاب، واجتنب فيه الإطناب الممل، والإيجاز المخل.
هذا الكتاب ينير الطريق للطالب الناشئ عبر العصور، ويوسع أفكاره؛ إذ يبين أحوال الأدب بين أوج ازدهاره وهبوطه في الحضيض. آثر المؤلف أن يجاري في تقسيم تاريخ الأدب التقلبات السياسية، فقسّمه إلى خمسة عصور، وهي:
العصر الجاهلي:
ابتدأ هذا العصر باستقلال العدنانيين عن اليمنيين في منتصف القرن الخامس الميلادي، وانتهى بظهور الإسلام. عرض فيه صورة انقسام العرب إلى ثلاث طبقات، وهي: بائدة، وعاربة، ومستعربة. وبيَّن عوامل نشأة الأدب في بيئة لا هم لها سوى القتال والاصطياد، ثم ذكر بعض نماذج من خطب قس بن ساعدة الإيادي، وعمرو بن معد يكرب، ومن أشعار شعراء المعلقات وغيرهم، وبعض الوصايا.
عصر صدر الإسلام والدولة الأموية:
هذا العصر يمتاز بنزول القرآن والحديث الشريف، اللذين خلَّدا العربية إلى يوم القيامة. فالقرآن أول كتاب دُوِّن في اللغة العربية، وهو مظهر الحياة العقلية والحياة الأدبية عند العرب في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع للميلاد. وكل شائق في دراسة الأدب، مسلماً كان أو غيره، يلجأ إلى القرآن.
ووصف الكفار القرآن بأنه شعر شاعر، أو فعل ساحر، أو سجع كاهن؛ دليلٌ على فعله القوي في نفوسهم. إنما هو كتاب: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.
وبعده الحديث، الذي يمتاز بأثر الإلهام، وإشراق ديباجته، وملاءمة لغته للغة المخاطب. وقال النبي ﷺ: “أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش، وأني نشأت في بني سعد بن بكر”.
ثم يخلف هذا العصرَ العصرُ الأموي، الذي هو استمرار للشعر الجاهلي، يصدر عن دوافعه، ويتبع منابعه. ولأجل تكالب القبائل اشتعلت فيه جذوة العصبية من جديد، فبرز الأخطل، والفرزدق، وجرير. لكن، في هذا العصر، لم يلقِ عمر بن عبد العزيز بالاً إلى الشعراء، وعندما لم يسمح لجرير بالدخول عليه، قال شعراً، وأرسل إليه رسالة:
يا أيها الرجل المرخي عمامته
هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه
أني لدى الباب كالمصفود في قرن
العصر العباسي:
هو عصر الإسلام الذهبي، الذي بلغ فيه المسلمون ما لم يبلغوه من قبل ولا من بعد. أثمرت فيه الفنون الإسلامية، وزهت الآداب العربية، ونقلت العلوم الأجنبية. فنشأ فيه النحو، وبرز من النحاة سيبويه، والفراء، وابن الحاجب، وذاع صيت الفلسفة، وحجة الإسلام الغزالي. وكان زمن الفقه، فوجدنا الإمام الأعظم أبا حنيفة -رحمه الله-، والأئمة الثلاثة الكبار.
ومن أهم العلوم علم الحديث، الذي صار همًّا وغمًّا للرجال، الذين بذلوا كل ما دق وجل في سبيل طلب الحديث.
العصر التركي:
بعدما ابتلع التتار الخلافة الإسلامية کلقمة سائغة، وانهارت المكتبات، واندرسَت العلوم، فأظلمت سماء الأدب العربي. ولكن، رغم هذا التعطّل، نجد الآثار العلمية لبعض النابغين من ذلك العصر، كمثل «لسان العرب»، و«شرح قطر الندى»، و«الألفية» في النحو، و«مقدمة ابن خلدون». كلها من منتجات ذلك العصر. وهؤلاء أثبتوا بأفعالهم قول الشاعر:
نجومُ سماءٍ كلما انقضَّ كوكبٌ
بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبه
العصر الحديث:
أذن الله لشمس الحضارة أن تشرق ثانية، فبزغ محمد علي بزوغ الشمس بعد الليلة الظلماء، الذي يتردد ذكره في الكتب على مر السنين؛ لأجل مساعدته المؤزرة في إنشاء المدارس. وتخرج العباقرة في الجامعة الأزهرية، وانتشرت الصحافة، التي هي مدارس متجولة في البلدان، واخترعت الطباعة، ودخل فن التمثيل والرواية في الأدب العربي، وأنشئت المجامع العلمية، التي لعبت دوراً هاماً في وضع القواميس، وتعريب المصطلحات العلمية التي يقتضيها الزمن الجديد. أقام البارودي الشعر على أساسه القديم، وتبعه أحمد شوقي. وأبلغ ما كتب في هذا العصر «العبرات» و«النظرات» لمصطفى لطفي المنفلوطي.

هل لديك نصّ إبداعي
وتريد نشره في منصتنا؟
نرحّب بمشاركاتكم من القصص القصيرة، والشعر، والمقالات الأدبية، والخواطر، والنصوص الإبداعية.
أرسل نصك، ودَعْه يصل إلى قرّاء يقدّرون الكلمة.
قصتك قد تكون النص الذي يبحث عنه قارئ اليوم.


اترك تعليقاً