حجر كنعاني في البحر الميت

نموذج للتوظيف التاريخي في النص الشعري لدى محمود درويش

مريم ملهي النويران

برع الشاعر محمود درويش في توظيف الأحداث التاريخية لخدمة النص الشعري، وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على الثقافة الواسعة التي يتمتع بها الشاعر درويش، فبقدر ما يمتلك ثقافة أدبية وتاريخية واسعة، فإنه يمتلك الأداة التي تُحوّل المعلومة التاريخية إلى رمزية أدبية تخدم نصه الشعري القوي، لذلك نادراً ما نجد قصيدة لمحمود درويش تخلوا من الرمزية التاريخية فربما قد يكون تبنى الفكرة الشائعة “التاريخ يعيد نفسه”، ولكن بأسلوب آخر إذ كان لكل حادثة تقع في حياة محمود درويش الشعرية مثالاً حاضراً يشبهها في التاريخ، فكان التقمّص التاريخي شديد الهيبة في شعره، فخلال قراءة النصوص الشعرية لمحمود درويش نجد أنه يأخذنا في رحلات من الخيال إلى حضارات قديمة ووقائع تاريخية حقيقية بعد أن ألبسها ثوب القصيدة فأخرج لنا أروع النصوص الأدبية في الشعر المعاصر.

وتعتبر قصيدة حجر كنعاني في البحر الميت الصادرة ضمن ديوان أحد عشر كوكباً الذي صدر بطبعته الأولى عام 1992م(1) من أكثر القصائد التي تحتوي على رموز تاريخية تأثر بها الشاعر فبالإضافة إلى كونها مليئة بالرموز التاريخية فهي رموز دينية أيضاً تخدم الفكرة الرئيسية لقصيدة تتحدث عن فرد طبيعي يعيش في مجتمعه يحاول أن يفهم الواقع المرير الذي فرض عليه وعلى بلاده، ومن خلال استرجاع الحدث التاريخي ثم استقراءه ثم اسقاطه على الواقع يعتبر الشاعر محمود درويش من أبرع الشعراء المعاصرين الذين استنجدوا بالنص التاريخي للدفاع عن أفكارهم الأدبية.

ومن خلال مناقشة نص قصيدة حجر كنعاني في البحر الميت نلاحظ أنّ الشاعر يخاطب نفسه من خلال كلمة “قصيدتي” وهذا الأسلوب عُرف عن محمود درويش فأغلب قصائده يكون هو المُخاطِب والمُخاطَب ذاته، ثم يعود لينتقل إلى مخاطبة أشـخاص آخرين مقربين منه كالأب ثم الأم ثم الأرض فيخاطب أرض الأغوار الملحية الجافة التي يصعب العيش فيها، وهنا يتساءل الشاعر عن إمكانية وجود البلاد التي بقي يبحث عنها بقوله: “هل من بلد ينسل مني كي أراه كما أريد وكي يراني؟”.

وللأسف بتتبع نص القصيدة لم يُجب درويش عن هذا التساؤل بل اكتفى باستحضار صوراً من الواقع الذي يعيشه بقوله: “نامت أريحا تحت نخلتها القديمة” وبقوله: “الأنبياء جميعهم أهلي، ولكن السماء بعيدة”، وبعد هذا المقطع الشعري يبدأ السرد التاريخي في القصيدة فيأتي توظيف جملة “الأنبياء جميعهم أهلي” دلالة على أنّ أرض فلسطين هي أرض لجميع الأنبياء وكون الشاعر فلسطيني فإنه يعتبر أنّ جميع الأنبياء الذين عاشوا على هذه الأرض هم أهلٌ له، وأنه ينحدر من سلالتهم فمن الطبيعي أن يكون الأنبياء هم أهل هذه البلاد وأجدادهم حسب وجهة نظره.

نلاحظ أنّ الشاعر يخاطب نفسه من خلال كلمة “قصيدتي” وهذا الأسلوب عُرف عن محمود درويش فأغلب قصائده يكون هو المُخاطِب والمُخاطَب ذاته، ثم يعود لينتقل إلى مخاطبة أشـخاص آخرين مقربين منه كالأب ثم الأم ثم الأرض

ثم يعود درويش ليخاطب الماضي الذي يرافقه أينما حل بقوله: “لا ريح ترفعني إلى أعلى من الماضي” ثم يعود لمخاطبة الموتى الذين عاشوا على هذه الأرض وماتوا من أجلها ثم يخاطب الأحياء الباحثين عن السلام، ويرجع بنصه التاريخي إلى مخاطبة المرأة الأولى وربما رمز بذلك إلى البداية الأولى للحياة على هذه الأرض ثم يعود ليتحدث عن الوثنية التي هي أول معتقد وُجد على أرض فلسطين من خلال واستحضار آلهه الكنعانيين القديمة ليناقش موقع بلاده الجغرافي ما بين مصر وآسيا والشمال، ليصف نفسه بالغريب الذي وقف بين جميع الطرق ليضِل طريقه في النهاية، ثم يعود ليستذكر أنّ الطريق للشام هو الطريق الذي سار عليه الغزاة الغرباء حسب تعبيره منذ القدم ليبادلوا أسلحتهم ومعداتهم وهذا كناية عن غنائم الحرب التي كانت تفضي إلى انتقال الأسلحة والمعدات الحربية من شعب لآخر.

بعد ذلك يستحضر درويش حادثة قوم لوط بقوله: “والبحر مات” إذ كانت هذه اللحظة التي حدثت في تاريخ النبي لوط عليه السلام هي لحظة تاريخية مفصلية في المنطقة فيقول: “وأنا الغريب عن نخلة الصحراء منذ ولدت” أي أنّ أبناء المنطقة هم الغرباء بعد أن حلّ الغريب في أرضهم وعوقب قومه بالخسف.

ثم يتمنى عودة الحياة الوادعة التي يحلم بها فيقول: “علق سلاحك فوق نخلتنا، لأزرع حنطتي، في حقل كنعان المقدس، خذ نبيذاً من جراري”، وهذا الاستحضار التاريخي يدل على مدى الازدهار والأمان الموجود في الحضارة الكنعانية وهو ما تمنى درويش عودته في حياته اليومية فكان يتمنى حياة الصيد بقوله: “وخذ الغزالة من فخاخ غنائنا” كما تمنى عودة الأعياد من خلال قوله: “صلوات كنعانية في عيد كرمتها” وهذا التعبير يدل على الأعياد المنعقدة في نهاية مواسم الحصاد في الحضارات القديمة، ثم يعود ليذكر دور الفينيقيين في التطور الحضاري من خلال اختراع الأبجدية الأولى فيقول: “منا نجوم الأبجدية يا غريب”، أي أنّ أبناء هذه الأرض هم ومن أوجدوا حضارة الكتابة التي انتشرت فيما بعد بين البشرية ثم يعود ويقول: “واكتب رسالات السماء معي”، وهي دلالة على نزول الشرائع السماوية على أبناء هذه الأرض التي دُوّنت بأقلامهم وحَفظت تراثهم إلى يومنا هذا.

“بيدي هذا البحر لا يحتله أحد، أتى كسرى وفرعون وقيصر والنجاشي والآخرون ليكتبوا أسمائهم”

ويتابع درويش مزجه بين التاريخ والأدب في نص القصيدة بقوله: “وكنعانية أمي”، وهذا تمسك راسخ بحضارته إذ لم يقصد الأم بمعناها الحرفي بل قصد الحضارة التي ينتمي لها ويعود ليذكر حالة التشتت النفسي التي يعيشها بسبب الصراع على الأرض عندما قال: “سأموت فوق فراش إمراة الأساطير التي تختارها آناث لي”، وآناث هي آله كنعانية قديمة كانت ترمز للأنثى العذراء التي يُضحى بها كل عام من أجل الحصاد فتقول الأساطير أنّ آناث هي واحدة من ثلاث أخوات كن بنات لبعل وهن موت وتعني روح الحصاد، وعالين وتعني روح الربيع وآناث وهي الأنثى التي تقدم قرباناً من أجل الحصول على محصول جيد(2).

ثم يتابع سرده ليذكر الأساطير التي كانت تتناقل حول ريح الشمال التي كانت الشعوب القديمة ترى فيها بُشرى الخير فكانت الشعوب تعتبر هبوب ريح الشمال بشائر لبدء موسم الأمطار، ثم يستثير حادثة الخسف التي جرت في سدوم لقوم لوط من جديد فيقول: “أحفاد لوط لا يرى لسدوم مغفرة سواي” ويناقش بذلك الشرائع التي مرت على هذه الأرض(3) ثم يعود ليعاتب نفسه فيقول: “أنت لا تصحو من التاريخ” فيشعر في قرارة ذاته أنه يعيش حالة من التخبّط شبيهة بالثمالة بين التاريخ والخرافة والحاضر المزعج فيقول: “أصغر من خرافته”، ثم يرجع ليقول: “لدخولك العبثي في أسطورة تركت جيوشاً للركام” دلالة على فقده للأمل وأنّ الجيوش لم تعد سوى ركام بنظره.

بعد ذلك يتتبع الخط التاريخي لتسلسل تاريخ الشعوب التي مرت على أرض البحر الميت فيناقش عبثية مرورهم وهنا يظهر أسلوبه الساخر بوضوح من جميع من مروا على هذه الأرض دون ترك أثر يذكر بل اقتصر وجودهم على أنّ أحدهم على سبيل المثال يسرد قصة حياته للبحر ثم يرحل، أو أنّ أحدهم يأتي من أقاصي الأرض فقط ليخبر البحر الميت عن تعرضه للخيانة، أو من جاء ليكتب حروف قصة عبثية على شاطئ البحر ليمحوها الموج، وهنا تظهر الفكرة واضحة لدى درويش بأنّ كل الذين حاولوا سرقة هذه الأرض هم فاشلون، ثم يعدد فئات أخرى مرّت على مياه البحر الميت فيذكر الشاعر والمؤرخ والعازف والراقصات وحمير الأنبياء التي داست بحوافرها هذه الأرض لكي تعلن ولادة الحقيقة على يد هؤلاء الأنبياء الذين امتطوا حسب تعبيره الحمير دلالة على حال الزهد الذي كان يعيشه أنبياء الله.

ويُعاود درويش ليسخر من الغزاة وعبّر عن فكرته بأنّ البحر الميت هو بحر لن يحتله أحد بسبب ملوحة مائه فيقول: “بيدي هذا البحر لا يحتله أحد، أتى كسرى وفرعون وقيصر والنجاشي والآخرون ليكتبوا أسمائهم” وهذا دلالة على عدد الحضارات التي مرّت على أرضه فرمز كسرى لحضارة فارس، ورمز الفرعون لحضارة المصريين، ورمز قيصر لحضارة الرومان، ورمز للنجاشي لحضارة الحبشة، كلّ هذه الحضارات حاولت السيطرة على بلاد الشام(4) لكنها لم تترك أي أثر على ضِفاف البحر الميت إلا ما استذكره شاعر معاصر جلس على شاطئه مؤكداً على أنّ هذه الأرض هي أرض الله التي لن يقاسمه بها أحد مهما حاول.

في نهاية القصيدة شرارة للأمل قد تُحقق له بعضاً من أحلامه البسيطة على هذه الأرض التي اختصرها في بستان كنعانية تعصر نبيذها على مهل.

وبعد هذه الملاحم التاريخية التي أشعل بها الشاعر متن القصيدة عاد ليهدئ من روعها، عندما تحكّم بزمام الأمور بعد أن شكّل مجموعة من الصور البسيطة الهادئة عندما وصف الربيع الذي كان يرمز لأمه فيقول: “رأيت ربيع أمي” ثم ذكر فراشة صغيرة تحوم حول شال أخته، ثم يصف نفسه بأنه ذكَر حمام يئِن من وَجد ما به، وربما يدل اختيار درويش لذكّر الحمام كصفة له لضعفه أو لأنّ الحمام يعد رمزاً للسلام، ثم يعود لتساؤلاته التاريخية: “هل مرّ نوح من هناك إلى هناك” دلالة على الطوفان العظيم، ثم يسرد صوراً من مجريات حروب القبائل العربية تلك الحروب التي لم تهدأ لدوافع الدم أو الثأر، ليستذكر بعدها قدوم هولاكو ومحاولته للنيل من هذه الأرض، ثم يعلن احترامه لابن خلدون المؤرخ الذي أنصف التاريخ عندما كتب التاريخ كما يجب، ثم عَرج على ذكر الحروب الصليبية فيقول: “حرب الصليبي الجديد” ويعود للتذكير بالزحف المغولي على بلاد الشام بقوله: “إلى المغولي المرابط خلف أقنعة الإمام” وهذه الإشارات لم يعني بها بطبيعة الحال الفرنجة والمغول القدماء بل وظّفها ليقصد المحتل الحالي الذي يحاول فرض سيطرته على بلادنا، ثم يختم درويش قصيدته بالتأكيد على أنّ الأنبياء جميعهم أهله ولكن السماء بعيدة عن أرضها فهو يعطي لنفسه في نهاية القصيدة شرارة للأمل قد تُحقق له بعضاً من أحلامه البسيطة على هذه الأرض التي اختصرها في بستان كنعانية تعصر نبيذها على مهل.

الهامش

(1) درويش، محمود، أحد عشر كوكباً، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، 1992م.

(2) عبد الحكيم، شوقي، مدخل لدراسة الفلكلور والأساطير العربية، مؤسسة هنداوي، بريطانيا، 2017م.

(3) حماد، جهاد، قصة لوط بين القرآن الكريم والتوراة، جامعة النجاح، فلسطين، 2007م.

(4) علي، جواد، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار الساقي، 2001م.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

رد واحد على “حجر كنعاني في البحر الميت”

اترك رداً على حجر كنعاني في البحر الميت – مُنى جَدوَل إلغاء الرد