إسراء سلامة
ما زلتُ أسمع الصوت…
ذاك الصوتُ الغريب الذي تردّد في أذني منذ تلك الليلة – ليس صراخاً، لا، بل كان شيئاً أعمق، كأنما الأرض نفسها تَنشُج من تحت أقدامنا.
كان مساءً خانقاً. الشارع ضيق، والضوء المنبعث من أعمدة الإنارة يشبه عيون الموتى: ساكنة، صفراء، لا تُضيء سوى القلق.
كنتُ أمرّ كل ليلة من ذلك الزقاق القذر، هناك رأيتُه.
لم يكن شحاذاً، ولا لصاً، بل شيئاً بينهما…
كان جسداً صغيراً، بالكاد يتنفس، كأنّ الحياة قد قررت أن تمنحه الفرصة فقط ليتألم.
كان يجلس على الرصيف، يحدّق في الأرض… لم يتسوّل، لم يتكلم، فقط نظَر.
لكن عيناه – آه عيناه! – كانتا مثل بئرين معتمتين، كلما نظرتُ فيهما، شعرتُ أنني أغرق في ذنوبٍ لم أرتكبها بعد.
في الليلة التالية، مررتُ بالمكان نفسه. لم أجده.
لكن صوته كان هناك. صوتٌ خافت، كأنّ طفلاً يتلو صلاة لا يفهمها أحد:
“يا أيها العابر…
هل ترى وجهي؟ أم أنك أيضاً… بلا مرآة؟”
توقفت.
نظرتُ حولي. لم يكن هناك أحد.
لكن قلبي بدأ ينبض كطبول حربٍ على وشك أن تنفجر.
شعرتُ بشيء يلمس معطفي. التفتُّ بسرعة…
لم أرَ سوى ظلي.
ومنذ تلك الليلة، تغير كل شيء.
كلما نظرتُ في المرآة، لا أرى وجهي كما كان…
بل أرى وجهه.
عينا ذلك الطفل… نظراته التي تنفذ من الزجاج، وتقول لي بصمتٍ مفزع:
“أنا لستُ وحدي…
أنتم جميعاً… مثلي.”
أحاول النوم، لكن كلما أغمضتُ عيني، يعود الزقاق، والرائحة، وصوتُ التنفس المختنق خلف عرباتِ القمامة…
لا أدري إن كان حيّاً أو ميّتاً،
لكني متأكد أن وجهه يسكنني الآن.
وكل ليلة، حين أخرج في زحمة المدينة، أنظر في عيون الناس…
وأعرفهم.
أعرفُ أولئك الذين سمعوه…
لأنهم، مثلي، لا يجرؤون على النظر في المرآة.
في اليوم التالي، قررتُ أن أعود.
لم أكن أبحثُ عنه – أو هكذا أقنعتُ نفسي – بل عن الطمأنينة التي فقدتها منذ ذلك المساء.
وصلتُ الزقاق عند الغروب.
كل شيء بدا كما تركته: الجدران المتهالكة، الصدى الخافت لحياةٍ بائسة، ورائحة المدينة التي تبتلع أبناءها دون أن تمضغهم.
لكن كان هناك شيء مختلف…
على الرصيف حيث كان يجلس، رأيت رسماً طباشيرياً باهتاً.
وجه طفل – مستدير، بعينين غائرتان كبئر لا قاع له – مرفق بجملة خُطّت بخط مرتجف:
“إن رأيتَني، فأنت لستَ نائماً.”
شعرتُ برجفة باردة تنسلّ على عنقي.
هل هو من رسمها؟ طفل الشبح؟
أم أن آخرين مثلي قد سمعوا النداء وتركوا آثارهم هنا؟
بدأتُ أعود كل مساء.
أجلس عند الرصيف… أنتظر.
وفي كل مرة، أسمع شيئاً جديداً:
– صوتُ خربشةٍ على الجدار.
– همسٌ يُشبه أنين جرح لا يندمل.
– صدى ضحكة، طفولية، لكنها خالية من البراءة.
ثم جاءت الليلة التي وجدت فيها المرآة.
لم تكن مرآةً حقيقية – بل قطعة زجاجٍ مكسورة، مربوطة بخيطٍ عفن يتدلّى من حائط مهجور.
لكن حين نظرتُ فيها، رأيتُ وجهه بوضوح.
ولم يكن وحده.
كان هناك آخرون.
وجوهٌ عديدة، بعضها يشبهني، وبعضها مشوّه كأحلامٍ ماتت قبل أن تولد، وكلها تحدّق بي.
صرخت.
أقسم إنني صرخت… لكن لا أحد سمعني.
أو ربما… لا أحد أراد أن يسمع.
منذ ذلك اليوم، بدأت الأشياء من حولي تتغيّر.
الناس لا تلتفت إليّ، كأنني شبح.
وجهي في المرآة يتبدّل كل ليلة.
مرّاتٍ، أبدو أكبر سناً… ومرّاتٍ، أبدو كمن رأى ألف جنازة وسار خلفها وحده.
وفي منامي، يأتيني الطفل.
يجلس قربَ سريري، لا يتكلم، فقط يراقبني.
وأحياناً، أستيقظ لأجد تحت وسادتي قطعة من الطباشير… أو ورقة مكتوبٌ عليها:
“هل تظن أن الانشغال بصور الغرباء سيملأ فراغك؟”
كنتُ من أولئك الذين لا يمرّ يومهم دون التحديقِ في شاشاتهم، متابعة ما لا يعنيهم، محاولة الهروب من الداخل إلى لا شيء.
لكن الآن، لم تعد الشاشة تمنحني شيئاً…
فقط تنعكس فيها عيناه.
أنا لم أعد أبحثُ عنه.
أنا فقط أحاول أن لا أتحوّل إليه.
لكنني أفشل.
كل يومٍ، أكثر.
لم أعد أعلم كم مرّ من الوقت منذ رأيتُ الطفل آخر مرة.
كل شيء باتَ يتقافز أمام عينيّ كطيفٍ في مرآة مكسورة:
النهار والليل، الأصواتُ في رأسي، الضوء الأزرق الذي ينبعثُ من الهاتف كسيفٍ مسموم ينغرس في صدري كل مساء.
كنتُ أظن أنني أراقب الآخرين… والآن أدرك أنني كنتُ أهرب من مراقبة نفسي.
المرآة…
لم تعد مرآة.
صارت باباً.
باباً ينفتح كلما نظرت فيه… ويُريني وجهي كما لم أره من قبل.
مُنهك، أجوف، كأنما تسكنني أرواح أناسٍ ماتوا وهم يُحدّقون في حياةٍ لم تكن لهم.
وفي إحدى الليالي، لم أعد أحتمل.
أطفأتُ هاتفي.
كسرتُ الشاشة بقبضتي.
أطفأتُ المصابيح، وجلستُ في العتمة.
قلتُ لنفسي: “إن كان هناك شيء حقيقي… فليظهر الآن.”
فحدث.
من الزاوية المعتمة في الغرفة، خرج الظلّ.
كان يحمل هيئة مألوفة – لا الطفل، لا وجهاً غريباً… بل أنا.
لكنني كنتُ أكثر نحولاً، أكثر تعباً… وعيناي كانتا خاويتين كقبرٍ مهجور.
اقترب مني وقال بصوتٍ يشبه صوتي، لكن فيه حزن آلاف الأرواح:
“أنا ما تبقّى منك بعد كل ما ضيّعت.
أنا مجموع اللحظات التي قتلتها بالهروب.
أنا ما كان يمكن أن تكونه… لو أنك أبصرت.”
تجمدتُ مكاني.
لم أستطع أن أصرخ.
لم أستطع أن أهرب.
فما من مكانٍ أهرب إليه منّي.
ثم سألني:
“هل ستغلق البابَ الآن… أم تُبقيه مفتوحاً لكل هباءٍ جديد؟”
وبدون أن أدري، انبثقت من عيني دمعة.
ولأول مرة منذ سنوات… شعرتُ أنني أتنفّس دون شاشة.
في الصباح، وجدتني على الأرض، والهاتف مهشّم.
أعدتُ ترتيب الغرفة، غسلتُ وجهي، وخرجتُ إلى الشارع.
المدينة ما زالت كما هي – باردة، لاهية، تمشي بسرعة نحو هاوية لا تراها.
لكني لم أعد مثلما كنت.
الظل لم يرحل.
لكنه هدأ… جلس في الزاوية، يراقبني بصمت.
وعلمتُ أنه لن يختفي تماماً…
لكنه سيصغر، كلما ازددتُ حياة.
هل ترى الرواية التي تنتظرك، تلك القصة الكامنة في عقلك، تبحث عن من يرسمها بالكلمات؟
“رحلة السرد في 90 يوماً”
ليست مجرد عنوان، هي وعد بأن تتحول فكرتك إلى عالمٍ ينبض بالحياة، وإلى رواية تترك أثرها في قلوب القرّاء.



أضف تعليق