قراءة في رواية ساق البامبو

قراءة في رواية “ساق البامبو” لسعود السنعوسي

عبدالله عباس

لو كان للكلمة أن تقتنص روح الإنسان وسرّه، فإنّ سعود السنعوسي قد فعل ذلك في روايته “ساق البامبو”، تطالعنا رواية تفتش في أعماق النفس البشرية، وتنبش أوراقها بحثاً عن الهوية التي ظلت مدفونة تحت ركام العادات والتقاليد، إنّها قصة عيسى الطفل ذو الدم المُختلط، والوجه المُبهم، واللسان المتعثر، الذي يمشي بين عالمين متباعدين: عالمٍ ولِد فيه ولم يعرفه، وعالمٍ عرفه ولم يولد فيه، ما هي الهوية إلا ساق بامبو، نقطعه من مكان ونغرسه في آخر، فينبت فيه جذوراً جديدة، وهذا ما يخبرنا به سعود السنعوسي في روايته التي حازت على جائزة البوكر للرواية العربية عام 2013، فهل لنا أن نغوص في أعماق هذه الرواية ونبحث عن جذورها ونستكشف أوراقها؟

أول ما يلفت نظر القارئ في “ساق البامبو” هو ذلك الصوت المكتوم الذي تنبثق منه صرخات إنسان يبحث عن ذاته، ألم تتساءل يوماً أيها القارئ: من أنا؟ وما سر وجودي في هذا العالم؟ هذا هو السؤال الذي يصرخ به بطل الرواية عيسى/خوزيه، وهو يحاول أن يجد لنفسه مكاناً بين جنسين ودينين وثقافتين، تبدأ الرواية بمشهد عودة عيسى/خوزيه من الفلبين إلى الكويت، وهو يحمل في قلبه حلماً، وفي عقله سؤالاً، وفي جسده دماً مختلطاً، يقول: “تتكشّفُ لنا حقيقةُ أحلامِنا كلّما اقتربنَا منها عاماً بعد عامٍ، نرهنُ حياتنا في سبيلِ تحقيقها، تمضي السّنونُ، نكبرُ وتبقى الأحلامُ في سنّها صغيرةً ندركُها نحققُها وإذ بِنا نكبرُها بأعوامِ أحلامٍ صغيرةٍ لا تستحقُّ عناءَ انتظارِنا طيلةَ تلك السنوات”، هذا الفتى الذي ولد لأب كويتي وأم فلبينية، يحمل في دمه جينات شرقية وغربية، جينات العز والفقر، جينات المسلم والمسيحي، ولكن ما فائدة هذا المزيج إذا كان المجتمع لا يعترف إلا بنقاء الدم وصفاء العرق؟

أبدع السنعوسي في رسم شخصيات روايته برشاقة المتمرس وعمق الفيلسوف، وكأنّه يخبرنا أنّ الإنسان ليس إلا انعكاساً للظروف التي تحيط به، وأنّ العالم ما هو إلا مرآة تعكس ما في داخلنا، ففي شخصية عيسى الابن الذي يبحث عن والده، نرى صورة للإنسان المغترب في مجتمعه، الساعي وراء هويته المفقودة، ولنا أن نتأمل في كلماته: “نحنُ نأتِي إلى الحياةِ من دونِ إرادةٍ منّا، نأتي صدفةً، من دونِ نيةٍ مسبقةٍ من آبائِنا وأمَّهاتنا، أو بنيةٍ يلحقُها تخطيطٌ وتوقيتٌ”، إنّه يُعبر عن تلك الحيرة الوجودية التي تعتري كل إنسان يتساءل عن سر وجوده في هذا العالم.

وفي شخصية جوزافين، الأم الفلبينية التي تُضحي من أجل عائلتها، نرى صورة للتضحية البشرية في أنقى صورها، تقول: “هناكَ مَن يمارسُ الرَّذيلةَ لإشباعِ غريزتهِ وهناكَ مع الفقرِ من يمارسُها لإشباعِ معدتهِ والثّمنُ في حالاتٍ كثيرةٍ أبناءٌ بلا آباءٍ”، إنّها تُعبر عن ذلك الألم المكتوم الذي يختبئ خلف أقنعة العمالة الأجنبية، ويرمز راشد، الأب الكويتي، للانقسام الداخلي بين الحب والانتماء، فهو يحب جوزافين ويتزوجها سراً، ولكنه لا يجرؤ على تحدي مجتمعه وعائلته، وكأنّ السنعوسي يريد أن يقول لنا: ما قيمة الحب إذا لم يكن قادراً على تحطيم الحواجز وتخطي الحدود؟ وتأتي هنا العمة نورية، تلك المرأة التي تخاف على سمعة عائلتها من “العار” الذي قد يلحق بها، فهي تُمثّل المجتمع المحافظ الذي يُؤثر النقاء على الانفتاح، وتجسد تلك القوة المحافظة التي تقف في وجه كل محاولة للتغيير والتطور.

تسير حبكة الرواية بخطى متأنية، تتوقف عند كل محطة لتتأمل فيها وتستخلص منها الدروس والعِبر، تبدأ برحلة الأم جوزافين من الفلبين إلى الكويت حيث تعمل خادمة في بيت عائلة الطاروف، وتلتقي بالابن الوحيد راشد، ويقع الاثنان في الحب، يتزوجان سراً، وتحمل جوزافين طفلاً، ولكن سرعان ما تكتشف العائلة الأمر، فترسل الأم وطفلها إلى الفلبين، يكبُر عيسى في الفلبين حاملاً اسم خوزيه، يستمع إلى قصص أمه عن “جنة الكويت” وعن والده الذي لم يره قط، وعندما يبلغ الثامنة عشرة من عمره، يقرر العودة إلى الكويت ليبحث عن والده، ويكتشف تلك الأرض التي لطالما حلم بها، ولكن، ما أن يصل إلى الكويت، حتى يصطدم بواقع مختلف تماماً عما تخيله، يجد نفسه غريباً في وطنه، مرفوضاً في عائلته، محتقراً في مجتمعه، وتبدأ رحلة المعاناة في البحث عن الهوية، والانتماء، والقبول.

حياة ليست مكرسة لهدف، هي كصخرة مهملة في حقل بدل أن تكون جزءاً من صرح“، هكذا يصف عيسى شعوره بالضياع والتيه، إنّه يبحث عن هدف لوجوده، ولكنه يجد نفسه مثل تلك الصخرة المهملة التي لا وظيفة لها في البناء، وبعد محاولات عديدة للاندماج في المجتمع الكويتي، يعود عيسى إلى الفلبين، ليختار في النهاية العيش هناك، مع احتفاظه بهويته الإسلامية التي اكتسبها من والده، وكأنّه يقول: إنّ الهوية ليست مكاناً تعيش فيه، بل هي كينونة تحملها معك أينما ذهبت.

لغة السنعوسي في “ساق البامبو” تتميز بالبساطة والعمق في آن واحد، لغة متدفقة، رقيقة، تنساب مثل جدول ماء عذب، ولكنها في الوقت نفسه تحمل في طياتها أفكاراً عميقة وتأملات فلسفية، استعارة ساق البامبو التي تتخذ جذوراً في أي أرض تُغرس فيها هي استعارة بليغة تُعبر عن مفهوم الهوية المتحوّلة والانتماء المتعدد، يقول: “لو كنت مثل شجرة البامبو.. لا انتماء لها.. نقتطع جزءاً من ساقها.. نغرسه، بلا جذور، في أي أرض.. لا يلبث الساق طويلاً حتى تنبت له جذور جديدة..”، والصور الفنية التي يرسمها السنعوسي تشهد على مقدرته في التصوير والتجسيد، ففي وصفه لمعاناة آيدا، خالة عيسى، يقول: “تدرجت آيدا صعوداً في عملها إلى القمة نزولاً في ذاتها إلى القاع بدأت نادلة في حانة تفترسها أعين السكارى”، إنّها صورة موحية تنقل معاناة المرأة في مجتمع ذكوري يستغل ضعفها وحاجتها.

أبدع السنعوسي في استخدام الرموز التي تحمل دلالات عميقة، فاسم البطل “عيسى” يحمل دلالات دينية عميقة، فعيسى هو نبي يؤمن به المسلمون والمسيحيون، وكأنّ البطل يمثل جسراً بين الثقافتين والديانتين، ورمز ساق البامبو يمثل تلك الهوية المتحوّلة التي يمكن أن تنمو في أي مكان، إنه رمز للإنسان

المعاصر الذي يعيش في عالم متعدد الثقافات، ويحاول أن يجد لنفسه مكاناً في هذا العالم المتشابك، وبيت العلّية الذي يعيش فيه عيسى عندما يعود إلى الكويت، فهو رمز لتلك المكانة الوسطى بين الانتماء والنبذ، إنّه ليس جزءاً من البيت الرئيسي حيث تعيش العائلة، ولكنه أيضاً ليس خارج البيت تماماً.

تطرح الرواية أسئلة وجودية عميقة: ما هي الهوية؟ وكيف تتشكّل؟ هل هي الدم الذي يجري في عروقنا، أم الثقافة التي نشأنا فيها، أم اللغة التي نتحدثها، أم الدين الذي نعتنقه؟ وما الانتماء؟ هل ننتمي إلى الأرض التي ولدنا فيها، أم إلى الناس الذين نعيش بينهم، أم إلى الأفكار والقيم التي نؤمن بها؟ وما العدالة؟ لماذا يُحرم إنسان من حقوقه الطبيعية لمجرد أنه ولد لأم تنتمي إلى ثقافة مختلفة؟ ألا يحق لكل إنسان أن يعيش بكرامة بغض النظر عن جذوره وأصوله؟

رسالة الرواية الإنسانية واضحة ومباشرة: إنّ الإنسان هو الإنسان، بغض النظر عن لونه أو عرقه أو دينه، وإنّ الهوية ليست شيئاً ثابتاً، بل هي متغيرة ومتعددة ومتشابكة، وإنّ الإنسان هو الذي يصنع هويته بأفعاله وأفكاره، لا بدمه وجيناته فقط، تقول الرواية: “نحنُ نأتِي إلى الحياةِ من دونِ إرادةٍ منّا، نأتي صدفةً”، إنّنا لا نختار آباءنا وأمهاتنا، ولا نختار البلد الذي نولد فيه، ولا نختار اللون الذي نحمله، فلماذا يجب أن نُحاسب على أشياء لم نخترها؟

تنتقد الرواية بشدة تلك النظرة الدونية للعمالة الأجنبية في دول الخليج، وتكشف عن ذلك التناقض في المجتمع الذي يدّعي التسامح والانفتاح، ولكنه في الوقت نفسه يمارس التمييز والاستعلاء، وتصوّر الرواية كيف تعاني الفئات المهمّشة من العمالة الأجنبية، وكيف يُنظر إليهم كأدوات للعمل فقط، لا كبشر لهم حقوق وكرامة، وكيف أنّ الأطفال المولودين من زيجات مختلطة يعانون من التمييز والاحتقار، ويُحرمون من حقوقهم الأساسية، كما تكشف عن ذلك الصراع بين الأصالة والحداثة، بين المحافظة والانفتاح، فالعائلة تمثل قوى المحافظة التي تخاف على تراثها وأصالتها من “التلوّث”، بينما يمثل عيسى تلك القوى المنفتحة التي ترى في التنوّع والاختلاط ثراءً وغنى.

وفي النهاية، تطرح الرواية سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للمجتمع أن يحافظ على أصالته وتراثه، وفي الوقت نفسه ينفتح على الآخر ويتقبّل الاختلاف؟

“ساق البامبو” هي صرخة إنسانية ضد الظلم والتمييز، دعوة للتأمل في مفهوم الهوية والانتماء، ودعوة لإعادة النظر في القيم والمفاهيم التي توارثناها دون تفكير، واستطاع سعود السنعوسي أن يجعل من “ساق البامبو” مرآة تعكس تلك التناقضات في المجتمع الخليجي، وكشف عن تلك الأوجاع المكتومة للفئات المهمّشة، كما نجح في أن يجعل من قصة عيسى/خوزيه قصة كل إنسان يبحث عن هويته في عالم متشابك ومعقد، في جوهرها هي رحلة بحث عن الذات، رحلة تبدأ بالسؤال “من أنا؟” وتنتهي بالإجابة “أنا ما أختار أن أكون”، رحلة تكشف لنا أنّ الهوية ليست شيئاً نرثُه، بل هي شيء نصنعه بأيدينا، وأنّ الانتماء ليس شيئاً نولد به، بل هو شيء نكتسبه بأفعالنا.

يقول ميخائيل نعيمة: “الأدب هو مرآة الحياة“، و”ساق البامبو” هي مرآة تعكس لنا صورة المجتمع بكل تناقضاته وتعقيداته، هي دعوة للتفكير والتأمل والتغيير، لنقرأها ليس كقصة غريبة عنا، بل كقصة تمسّنا جميعاً، لأنّها في النهاية قصة البحث عن معنى الإنسانية في عالم متشابك ومعقد، وكما يقول السنعوسي على لسان بطله: “حياة ليست مكرسة لهدف، هي كصخرة مهملة في حقل بدل أن تكون جزءاً من صرح”.

“ساق البامبو”… رواية تستحق القراءة، وقضية تستحق التأمل، وصرخة تستحق أن تُسمع.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

رد واحد على “قراءة في رواية “ساق البامبو” لسعود السنعوسي”

  1. صورة أفاتار ميادة سليمان
    ميادة سليمان

    شكرا جزيلا لكم

    إعجاب

اترك رداً على ميادة سليمان إلغاء الرد