إيمان عابد
أَحمِلُ كَرتاً كبيراً،
ورقماً كبيراً…
سمَّوه كرت المؤن…
سمَّوه رقم المؤن…
أعطَوه لِجدّي حتى يعيش بعدَ المحن.
صارَ الكرتُ هُويَّة…
وصِرتُ أنا لاجئاً…
قِصَّتي طويلة…
قِصَّتي غريبة…
قِصَّتي بدأت… ولم تَنتهِ بعد.
على مشارفِ القرنِ الماضي يَجثُمُ التنّين،
تتوالى هجراتُ اليهود من شتّى أنحاءِ العالمِ إلى فلسطين،
يَحمِلون وعداً،
وعدَ من لا يَملكُ لِمَن لا يَستحقّ.
يُغذّيهم فِكرُهم الصُّهيوني:
لا بدَّ أن يُقيموا دولتَهم بأيّ وسيلةٍ كانت،
ولو دون وجهِ حقّ.
هُنا تبدأ الحكاية..
خلفَ أسوارِ الوطنِ أحياءٌ صغيرة،
بيوتٌ عامرة،
قرًى آمنة،
عائلاتٌ تعيش بسلام،
تعملُ وتَكدَحُ باطمئنان،
تَسمعُ تغاريدَ الأطيار،
تُسلِّمُ على بيّاراتِ البرتقال،
يَفوحُ أريجُها شغفاً،
تُعانقُ كرومَ العِنَبِ والتّين،
تَتراقصُ عَناقيدُها فَرَحاً،
أشجارُ الزّيتونِ الأخضرِ تَتمايَلُ على مدِّ البصر،
تُحاكي رَغيفَ الزّيتِ والزّعتر؛
نكهةُ الأرضِ لا يُخطِئُها إنسانٌ حرّ.
في قلبِ الفرحِ قد تَطيرُ الأحلام،
وتذهبُ أَدراجَ الرياح.
وحَلَّتِ النكبة،
وأعلَنَ الصهاينةُ قيامَ دولتِهم على أرضِ فلسطين.
واندلعتِ الحربُ في الخامسَ عشرَ من أيار عامَ ثمانيةٍ وأربعين.
احتلَّ اليهودُ ما يُقارِب 78٪ من أراضي فلسطين.
أكثر من 50 مجزرةً وقعت في حَقّ الفلسطينيين.
أكثر من 531 قريةً ومدينةً فلسطينيةً طُهِّرت عِرقيًّا ودُمِّرت كاملة.
تَمَّ تهجيرُ أكثرَ من 780 ألفَ فلسطينيٍّ من أراضيهم،
ليَحلَّ مكانَهم 850 ألفَ مهاجرٍ يهوديّ.
ليستمرَّ مسلسلُ الاجتياحِ ورماً خبيثاً يصعبُ استئصالُه؛
ففي الخامسِ من حزيران،
وفي غُضونِ ستّةِ أيام،
احتلَّت إسرائيلُ كلَّ فلسطين في حربِ النكسة، أو حرب 67.
مرّةً أخرى..
أُرغِمَ نصفُ مليونٍ على الهجرة،
والبعضُ منهم ظلَّ باقياً يَرزَحُ تحتَ نيرِ الاحتلالِ
في الضفّةِ الغربيّةِ وقطاعِ غزّة.
ما زالت إسرائيلُ تَتمادى ببناءِ المستوطنات،
وتَفرِضُ مختلفَ أنواعِ الحصارات،
لِتُحكِمَ سيطرتَها الكاملة على المسجدِ الأقصى وقدسِ الأقداس.
هذه حقائقٌ تَسردُها قِصَّتُنا..
لكنَّ كلماتِنا ستقفُ عاجزةً
عن وَصفِ أفواجِ اللاجئين يُقتَلَعون من جُذورِهم،
يَجُرّون أذيالَ الهزيمةِ وراءهم،
تسبقُهم جراحاتٌ لا تَندمِل،
وسنواتُ عُمرٍ طويلٍ تَئِنّ.
ستقفُ كلماتُنا عاجزةً عن وَصفِ أرضٍ تاهَت عنّا،
وضِعْنا عنها،
فلا يمرُّ يومٌ إلا والشَّوقُ إليها يَعصِفُ بنا،
يأكلُ من سنواتِ عُمرِنا.

ستقفُ كلماتُنا عاجزةً أمامَ عُيونٍ طالما بقيَت تتطلّعُ للعودة،
أكثرُ من سبعةٍ وسبعينَ عاماً في الخِيامِ والمخيماتِ وطوابيرِ المؤن،
تُخبّئُ مفتاحَ الدّارِ في حنايا قلبِها حتّى صَدِئ،
ومن طولِ الانتظارِ سَئِم.
هي عاجزةٌ عن وَصفِ من يَطوفُ بلدانَ العالمِ لأنَّه غريب،
بعيد، مُهَجَّر.
هي عاجزةٌ عن وَصفِ من يَقِفُ مُحتجَزاً على مَعبرٍ في وطنِه،
وهناك من يَسرقُ خيراتِ أرضِه.
هي عاجزةٌ عن وَصفِ من يَشتاقُ ليُصلّي رَكعةً في مِحرابِ المسجدِ الأقصى،
أو أن تَدوسَ قدمَاهُ ثَرى قدسِه،
أو من أصبح أعزلَ عن أهلِه وجيرانِه وأرضِه،
بسببِ جدارٍ عنصريٍّ عازل،
أو حِصارٍ غاشم.
هؤلاء نحنُ، فَرَّقَتنا الأيام،
لكن يُوحِّدُنا حقٌّ: حقُّ العودة،
ويَجمعُنا أملٌ: أملُ الرّجوع إلى أحضانِكِ يا فلسطين.
قِصَّتُنا بَدَأَت ولم تَنتهِ بعد؛
فما زال هناكَ من يَحمِلُ كَرتاً كبيراً،
ورقماً كبيراً،
ما زال هناكَ من يُسمّى: لاجئاً.
*في ذكرى النكبة 15/5/1948م


أضف تعليق