مارفن عجور

“مرّةٌ … مرّتين … ثلاث مرّات … وبعدها يعتادُ القَلبُ على الخيبات ويضحك بوجه الخذلان كأنَّ شيئاً لم يكن، ويختارُ أن يمشي على رصيف التجاوز ليهرب من السياراتِ المسرعةِ التي قد تدهسُ صحته النفسية، ويصل إلى حديقة الحياة ليقطف منها ورود أوركيد النسيان.”

إنَّ هذه الكلمات كانت افتتاحية فيلم “أوركيد النسيان” لبسمة الهاني، الأديبة العربية الرائدة التي ضحك الحلمُ بوجهها أخيراً، وكلّلَ نضالها المستمر منذ الأزل. هي التي تخبّطت في عتمة الدنيا، ولولا الأوركيد لكانت قد دُفِنَت من الشدّة الأولى.

في هذه الأثناء، خُفِتَتِ الأضواء وعمَّ الصمتُ في صالة السينما، وحدَها الشاشةُ تنزفُ وجعاً، وتنهمرُ من عينيها الدموع، وتسقط منها حبوب الحسرة على قسوة العمر، وكم أنَّ الإنسانَ ضعيفٌ وقويٌّ ومزركشٌ بكلِّ الصفات في آنٍ واحدٍ. وكأنَّ هذه القطعة السينمائية النادرة خُلِقَت لتُثبِت لنا مقولة: “الإنسان هو كلُّ فصول السنة.”

فأخبرتنا عن بسمة الخريفية والشتائية والربيعية والصيفية. سقطت أوراقُها، وقُطِعَت أشجارُها، وعصفت رياحُها، وعادت وزهّرت آمالُها مجدّداً ليحرّرها الله أخيراً من قيود الماضي والذكريات المرّة، والحبال الخانقة التي كبّلت جسدها وروحها وأضاقت نفسَها حتى باتت تمسك بكيس التنفّس لتنالَ منه حصّةً من الحياة. ها إنّها تنتصر الآن وتُكرِّم حكايتها في هذا العرض المقدّس.

يُحكى أنّه في شارعٍ فقيرٍ، أهله يقطعون فيه رغيف الخبز ويقسّمونه عليهم جميعاً ليتناولوه، كانت تعيش بسمة ووالداها. وحيدةٌ، إذ إنَّ وضعهم الماديّ حظرَ نعمةً أخرى أن تزورَ الأرضَ. كان التضامن بينها وبين والديها حجر الأساس في معيشتهم، فالأب رجلُ حكمةٍ، والأم ينبوع حنانٍ يسقيك فتنتعش إنسانيةً ويرويك فتتطّهر من آثامك. إنّها في الخلاصة “بسمة الباكية مالاً والضاحكةُ حباً.”

فآهٍ، الله يُعطي ويأخذ، يكافئ ويصفع، لكن ماذا عندما تُقفل جميع الأبواب وتضيع مفاتيحُها؟ ماذا حينما يلتهب الجرح وما مِنْ مبلسمٍ؟ لربّما قالوا: “إنَّ الله لا يُعطي أقوى معاركه إلّا لأقوى جنوده”، لكن، أليسَ ثقيلاً على ابنةِ العشر سنواتٍ هذا الحمل؟

في ليلةٍ غابَ فيها ضوءُ القمرِ، نامت سناء، والدة بسمة، في سريرها إلى الأبد. فمرضُ السرطان حصدَها بعد أن عجزت عن تأمين تكاليف العلاج. وفي وضحِ نهارٍ طعنتِ الشمسُ بسكاكينها ظهرَ سناء، وبعد أن بدأت بسمة في تناسي موت أمّها، رأت وجودَ أبيها هاني يتلاشى أمامها، فصدحَ أنينُهُ في الشارع كلّه، ولم يرفُّ جفنُ أحدٍ عليه. ذاب كالثلجِ، فسقطتِ بسمة عن درجِ الصمود، نظرت شمالاً يميناً، فما من مغيثٍ ينقذها من البحرِ العميقِ الذي غرقت به.

“الآن، لست أعيشُ الآن، الماضي يشدّني نحوَه، والمستقبل أمامي ذاك العجوز الذي شاخ قبل أن يشيب حتى.”
يرتجف لسانها وهي تردّد هذه الجملة.
“هل اقترفت جريمةً ما في بطنِ والدتي عندما كانت حاملاً بي؟ لا أذكر أبداً أنَّني أسأت إلى أحد في سنواتي العشر في عمري، ليجازيني الله في هذا القدر.”

كان اللاوعي يغلب على وعيها، ولم تكن ناضجة بعد. دخلت في غيبوبة وهي مستيقظة. غداً، يوم ميلادها، سيكون يوماً يولد فيه شيء آخر غيرها. ستغدو بكوةً، أما بسمة فستوضّب أغراضها وترحل إلى المجهول، مصيرها في هذه الدقائق ملتبسٌ، للناس مكترسٌ.

لم تجد بكوة وسيلةً سوى التسوّل، فراحت تمدّ يديها للناس راجيةً منهم درهماً واحداً، أم قطرة مياه، أم كسرة خبز. داست بشفتيها ذل الطرقات، شحبَ وجهها، ابتلت ثيابها، وعيناها كانتا تطوفان بوجل بين الوجوه بحثاً عن رحمة ضائعة. مرّت شهورٌ طويلةٌ وبكوة، أي بسمة، تقبّل خدَّ الفقرِ الخشن والرديء. هل سيقبرها هذا الوحش ويغلبها في ميدان الحرب؟

بدأت تقارن نفسها بالآخرين، وتشعر بقيمتها الرخيصة، تشاهد السيارات الفاخرة تمرّ نصب عينيها بينما هي تقف على الحافةِ تشحذ الرأفة. وينتابها شعور القلق من الناس، ومن كلّ شيء.
“من يراني؟ من رآني؟”
هي الصرخةُ المدوّيةُ التي وجهّتها إلى الناس.
نفدت بطاريتها، نفد صبرها، نفدت عزيمتها، وهرولت إلى الشاطئ لترمي بنفسها من الصخرة.

وإذ بها تهيأت لتُنهي الرحلة الشاقة التي لم تسر بها سوى في الدروب الوعرة، يقع بصرها على كتابٍ بعنوان: “لا وقتَ للحضيض، حلّق في السماء.”

يلفتها العنوان، وتستذكر كلام والديها – رحمهما الله – اللذين كانا كلّ يوم يذكّرانها بأهميّة العلم في الحياة. فكانت تلميذة مدرسة حكومية، وهذا ما ذكرته الآن في هذا الجزء. لقد توقّفت عن الدراسة لأنَّ طاقتها الفولاذية انقضت، وصار همّها بأن تؤمّن بعض المال لتقوم بما لا تعلم ما عليها القيام به.

فهي أين؟ أضاعت هُويّتها، تاهت في زمنِ الغرباء في وطنها، فهل من كنزٍ تصيبه بكوة؟ ورصاصة بكوة؟
لقد أتتها الإجابة أخيراً:
“الكنز هو الفكر والكلمة والحرف والمعرفة.”

فها هي تمسك بالكتاب، وتجلس قرابة الشاطئ وتتصفحه، كما أنَّ في الصفحة الأخيرة تجد قلماً وورقةً بيضاء، وتكتب رأيها عن ما قرأته. فتفاجأت بكمِّ الإبداع الذي نثرته في مقالها. تبلغ ختام النص، وتتركه على الرمل، وتعود إلى الرصيف حيث عملها الذليل.

بعد فترةٍ وجيزة، كان أحد الصحافيين يصوّر تقريراً عن تلوّث الشاطئ، ولحُسن حظه يتوفّق بقميصٍ أدبيٍّ سيتمكّن من خلاله إعداد “سكوب” آخر يدعم مسيرته المهنية. فما عليه سوى البحث عن صاحبة المقال، ومن غيرها بسمة؟

كانت بسمة قد دوّنت اسمها في أسفل القرطاس، وعادت وشطبته، وخطّت: “لا!!!! بكوة.”
كان هذا الانفعال مثيراً للجدل.

المذيع:
“نعم غادة، لقد وصلنا في هذه الأثناء إلى الفتاة التي ذبحت اسمها الجميل ذبحاً…”
(يقترب منها ويحيّيها)
“مرحباً يا رائدة، ما اسمك؟”

كأنه يتطلّع إلى مستقبل كاتبة لامعة.

هنا، أجهشت بسمة بالبكاء، وسردت تفاصيل قصّتها من الألف إلى الياء، فتعاطف معها ملايين الناس من مختلف بلدان العالم العربي، وأُقِيمت حملةُ تبرّعاتٍ للتكفّل بقسط مدرستها.

مرّ أسبوعٌ، فصار لبسمة سقف فوق رأسها، وسريراً ترتاح عليه، ومدرسةً لتتعلّم بها. صارت إنسانةً لديها حقوقها وواجباتها، فلا تختلف عن الآخرين أبداً. صارت هي كما طمحت دوماً. زهّرت روضتها بعد اليباس، وبقنديل الحروف أضاءت عمراً.

برعت بسمة في الأدب، واختارته مائدةً تأكلُ منها جمالاً وتتغذّى ثقافةً، فتخصّصت في الجامعة في اللغة العربية وآدابها. ولّدت رواياتٍ وقصصاً للأطفال، وأنتجت مقالاتٍ اجتماعية وفلسفية وأدبية لا تُعد ولا تُحصى. كوّنت هويتها من جديد، وصارت أديبةً يقف لها الجميع احتراماً، ويصفّقون لها إجلالاً.

تُرجمت رواياتها إلى عشرين لغة، وابتاعها القرّاء من عشرات البلدان، وفازت في مئات الجوائز الأدبية. واتصلّت بها سيدة كانت على وشك الانتحار بسبب معاملة زوجها العنيفة لها، وقالت لها:

“يا بسمةُ، أنتِ معجزةٌ في عجزي، وحلمٌ في كابوسي، صار لي صوتاً عندما أصغيتُ إلى كلماتك التي تُسمع وتُطرِب الآذان ولا تُقرأ فقط.”

حانت النهاية، وتطلُّ “أمل” الممثّلة التي أدّت دور بسمة الملهمة وتقول:

“اليوم أنا أمثّل بسمة، بعدما كانت قد مثلّتني. تشابهنا في المصير، لكنّني التقيتُها وهي ناجحة، كأنّها البحصة التي سندت خابيتي.”
وتردف:
“شكراً بسمة، أنا أمل التي خلّصتِها من ألم الاسم الذي معه مسحتُ هويتي.”

الجملة الأخيرة في الفيلم:
“قد نتشابه في القصص، لكنّ لكل واحدٍ منّا إرادتَهُ، أنتَ قادرٌ فتمّم ولا تستسلم، لست متروكاً ولا مفلتاً، بل هناكَ من سيكون مدفأتك في أيّام بردِكَ.”

طلّت بسمة الحقيقية وصاحت:
“إلى الحياة من جديد بعد الموت، وها إنَّ وردة الأوركيد ظلّت حيّةً، رمت الماضي في القمامة، وأصابتنا بالزهايمر حياله. فشكراً يا زهرة السلام.”

نهاية الفيلم – إضاءة – تصفيق حاد وزغاريد النصر.
يتبع، في حلقةِ محاربٍ جديد تعرّفنا عليه العروض السينمائية المرهَفة.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

3 ردود على “أوركيد النسيان”

  1. صورة أفاتار Marven ajjour
    Marven ajjour

    صباح الخير…
    أشكركم على النشر وثقتكم بي..
    وآمل أن أنشر قصصي ومقالاتي والمزيد منها في الأيام المقبلة عبر مجلتكم الرائعة.

    Liked by 2 people

  2. الله مقال رائع ويبدو أنه فيلم رائع.. شكرا على الكتابة عنه.

    Liked by 1 person

  3. بحثت عن الفيلم ولم أجده؟!

    Liked by 1 person

اترك رداً على هبة إلغاء الرد