إسراء سلامة
يا أمّي،
أكانت هذه الأرضُ تنامُ؟
لماذا السماءُ تنكّرتْ للقمرْ؟
ألم نزرع الحنطةَ فوقَ صدورِنا
لنُطعمَ الطيرَ والعابرين؟
فلماذا السنابلُ اليومَ
تُجلدُ بالنارْ؟
يا أمّي،
سمعتُ جدارَ البيتِ يبكي،
وكان أبي يزرعُ الياسمينَ في النافذة،
لكنهم دخلوا…
لا على حصانٍ،
ولا بلافتةِ انتصارْ،
بل دخلوا من خاصرةِ الضوءِ،
أحرقوا ظلَّنا،
ورسموا على وجوهِ الأطفالِ…
قناعَ الموتِ.
رأيتُ أختي الصغيرةَ
تضعُ العيدَ في كفِّها
وتسألُ الدمية: هل سنصومُ غداً؟
لكن الدميةَ بلا رأس،
والصوتُ عالقٌ في الزجاجِ
كأنه دعاءٌ قُطعتْ يداه.
في غزةَ،
الأملُ يقفُ عارياً
تحتَ القصفِ،
يكتبُ أسماءَ الشهداءِ
بأطرافِ مقصوفةٍ
ويغني…
للريحِ أن تعودَ أماً،
للرمادِ أن يُزهِرَ طفلاً.
يا أمّي،
أعرفُ أنني لن أخلعَ حذائي في العيد،
فالشارعُ مغطّى بالدمِ،
والأرجوحةُ
تتدلّى من جثةِ طفلٍ.
العدوُّ
لا يسمعُ الأغاني،
ولا يعرفُ طعمَ الزعترِ في فمِ الجائعِ،
هو فقط
يُجيدُ ترتيبَ الجثثِ
على سجادةِ القتلِ،
ويقولُ:
سلامٌ لنا.
لكنْ…
تحت الركامِ يدٌ
تنبضُ بالنارِ،
ورُكبةٌ
لم تنحنِ،
وعينٌ
تحرسُ القصائدَ في آخرِ السطرْ.
غزةُ…
لم تُغْلَقْ في التوابيتِ،
بل اتّسعتْ كقلبِ شهيدٍ،
كأمٍّ
تُرضِعُ طفلَها
من دموعِها.
قولي لهم،
قولي للعالمِ:
لسنا أفلاماً
تُبدَّلُ قناتُها
حين يختنقُ الضوءُ بالمشهد.
في غزةَ،
تصوّرُ الكاميرا
ألف نبيٍّ
يُبعثُ من رُكامِ الحكاية،
وفي اليدِ
حجرٌ،
وفي العينِ
وعدُ السماء.
قولي لهم:
ما زالت طفلةٌ
تغسلُ وجهَها بالتراب،
وتجهّزُ عُرسَها
على مقربةٍ من المدفعْ،
وما زال هناك أبٌ
يرسمُ الوطنَ
على بقايا جدارْ،
ويُعلِّقُ مفاتيحَ البيتِ
في الهواء.
غزةُ
ليست بُقعةً على الخريطة،
إنها نارُ المعنى،
وطفولةُ الأنبياءْ،
فلا تُودِعونا الصمتَ،
بل قولوا معنا:
سنعودُ…
وسنُوقِظُ البحرَ من نومهِ…
بالدمِ… والقصائد.


أضف تعليق