يوسف هلال
وصلني خبر وفاته قبل دقائق قليلة، كان الخبر رسالة قصيرة على هاتفي، سطر واحد حاول أن يوجز نهاية عمر كامل بيننا، فشعرت كأنّ الهواء الذي أتنفسه فقد طعمه، جلست في غرفتي وحدي، الهاتف في يدي، وكل الأصوات حولي تلاشت، لم أستطع أن أتصرف، فقط بقيتُ أنظر إلى الشاشة وكأنها ستعيد لي ما ذهب.
الذاكرة بدأت تستعيد ذكرياتها فوراً، صور متتابعة تسافر بي إلى الماضي، كنا صغاراً، نركض في الحقول تحت شمس الصيف، نلاحق الفراشات، نبتعد عن بيتنا بحثاً عن مغامرة جديدة، كان هناك دراجة قديمة استخدمناها أكثر من مرة، كان لنا منزلًا، تذكرت تلك الشجرة الكبيرة في الحديقة الخلفية، خشبها الخشن، فرعها المنحني الذي كنا نتسلقه كأننا نصعد إلى عالم آخر، نقشنا على جذعها أحرفاً صغيرة، واعتدنا أن نجلس على أحد الأغصان ونخطط لمستقبلنا بلا همّ.
كانت أيامنا بسيطة، لكن قلوبنا كانت كبيرة، كنا نحلم بالسفر، نتخيل البلاد التي سنزورها، نعِدُ بعضنا: “سنظل أصدقاء مهما حدث”، قلتها ببراءة، وقالها هو بنفس الهدوء الذي كان يملأ صوته دائماً، لم نكن نعرف معنى تعب الحياة بعد، كنا نعتقد أنّ الصداقة تكفي لتحمّل كل شيء.
تذكرت أمسيات الشتاء كذلك، عندما نجتمع تحت بطانية، نصنع الشاي ونروي قصص الأشباح لنخيف بعضنا ثم نضحك حتى تتعب بطوننا، كان يسمعني بعينين طيبتين، لا يقاطعنِي، يكفيني مجرد أن أتحدث وهو يستمع، أحياناً كان يضع يده على كتفي كإشارة إذعان أو دعم، وفي المرات التي كنتُ أحزن فيها كان صمته أبلغ من الكلام، لم يكن ممن يتفنن في العبارات، لكن وجوده وحده كان يخفف العبء.
ثم تغير كل شيء، رأيته يكبر، وبدأت خطوط القلق ترتسم على جبينه، تتوسع مسؤولياته، يعمل ساعات أكثر، يعود للبيت مرهقاً لكن يحاول أن يبقى كما عهدته، لم أكن ألاحظ بعض التفاصيل حينها: كيف كانت عيناه تشي بالحزن أحياناً، كيف كانت ابتسامته تتردد في البداية قبل أن تظهر كاملة، الآن كل تلك التفاصيل تعود لي كصور لا أستطيع إيقافها.
جاء يوم الفقد كصوتٍ خافت يتحوّل إلى صرخة داخل ضلوعي، لم أره يغادر، لم أشعر بيدٍ تلوّح للمرة الأخيرة، وجدته في زاوية الذاكرة، مبتسماً رغم أنّ الحزن واضح في عينيه، كان هناك شيء في تلك الابتسامة، كما لو أنه تعلّم قبول شيء لم يستطع تغييره، جلستُ أفكّر في كل المحادثات القصيرة التي ضاعت، في الرسائل التي لم أعدّل عليها قبل إرسالها، في موعد لم ننفذه، كل شيء بدا واضحاً الآن، وكل لحظة عابرة أصبحت عظيمة.
بعد الخبر ذهبت إلى أماكننا المشتركة، مررت بالحديقة، جلست تحت نفس الشجرة، لم أحاول أن أكون درامياً، فقط جلست أراقب الأغصان تتحرك، تذكرت كيف كان يُشجّعني هناك فوق ذلك الغصن عندما كنت أخاف القفز، وكيف قال لي بصوت ثابت: “قف، سأمسك بك”، كان شيئاً بسيطاً لكنه كان يعني الكثير، أعدتُ تلك اللحظة في رأسي مراراً كما لو أنها طوق نجاة.
أدركت أنّ ما بيننا لم يكن مجرد لعب أو رِفقة لوقت من الزمن، كانت صداقة مبنية على تفاصيل يومية: طريقة ضحكه، نظرة أمل، نبرة صوته عندما كان يبشّر بأمر بسيط، كانت هناك أشياء صغيرة تركها خلفه في حياتي: كلمة، صورة، طريقة أتحرك بها الآن دون أن أشعر، كل هذه الأشياء أصبحت شواهد تجعل الحضور حياً رغم رحيله.
الليالي الأولى بعد الخبر كانت الأطول، كنتُ أعود إلى البيت وأتوقف أمام خزانته في ذهني، أحاول أن أستعيد رائحة معطفه أو طريقة ترتيب أشيائه، كنت أحياناً أغلق عينيّ وأسمع صوته واضحاً يقول: “لا تحزن، فنحن أصدقاء إلى الأبد”، لم تكن هذه كلمات تعزية بل كانت تذكيراً بالوعد الذي قطعناه منذ الطفولة، وعد من شخص تعرفه، وأصعب ما فيه أنني لا أستطيع أن أرد عليه بصوت مسموع الآن.
لا زلت أجد ظلّه يحاصرني أحياناً بطريقة لطيفة ومؤلمة في آنٍ معاً، يظهر في عيون الناس الذين يضحكون على نكاته، في الأغنية التي كنا نستمع إليها سوياً، في الطريق الذي كنا نفضّل أن نمشيه، أحياناً أتصرّف كما لو أنه يقترح شيئاً داخل رأسي، كأنّ ذاكرته تنصحني بما قد يفعله لو كان هنا، هذا الشعور لا يُفارقني، لكنه يذكرني أيضاً بِكَم الفراغ الذي تركه.

أعرف أنّ الأيام ستمُر، وأنّ الحزن سيتراجع رويداً رويداً إلى مكانه، لكني أريد أن أبقي ذلك الظل حياً، لن أترك ذكراه تتحوّل إلى شيء غامض أو أسطورة مبهمة؛ سأحكي عنه بصوتٍ واضح، عن الرجل الذي استمع لي عندما لم يصدق أحد كلامي، عن اليد التي قبضت على يدي في لحظة ضعف، عن الضحكة التي كانت تتخفى وراء كل موقف سخيف نفعله، سأقول للناس إنّ صديقي لم يمت بمجرد أن توقف قلبه، بل بقي في التفاصيل التي صنعناها معاً.
أغلق عيني الآن، وأتذكّر مرة أخرى صوته الهادئ يقول: “لا تحزن، فنحن أصدقاء إلى الأبد”، أستمع له كما لو أنه يجلس بجانبي، وأعده أنني سأعيش، سأحافظ على وعد الطفولة بصدق، وأنّ ظلّه سيُرافقني في كل خطوة قادمة.


اترك رداً على mortallycycle669be350a2 إلغاء الرد