سلطانه الغنام

على عجل، حملتُ ما تبقّى من ملامحي، وانكمشتُ تحت ركام السنين.
أغلقتُ عيني، فمرت أعوامي أمامي كقافلة صامتة.
سألتُ نفسي بدهشة:
أين أنا مني؟ كيف انسلّ العمر من بين يدي دون أن يتركَ لي هديةً واحدة؟

كنتُ لهم جميعاً… سنداً ودفئاً وعطاءً،
لكن حين التفتُّ خلفي لم أجد أحداً يحملني.
من لي… إن لم أكن أنا لي؟

في نهاية كل يومٍ يتباطأ ببطءٍ قاتل،
أحتضنُ نفسي كمن يحتضن آخر ما تبقى من وطنه.
أغلق عيني، فأرى الأشياء باردة،
خاليةً من الروح،
كأماكن هجرتها نسمة كانت يوماً أجمل ما فيها.

لطالما قلت:
سيكون اليوم مختلفاً…
غير أنني أعود كل مساء لأكتشف أنّ المختلف الوحيد هو أنا.
أنا التي تغيّرت، أنا التي أعدتُ اكتشاف وحدتي،
واكتشفتُ أنها ليست عيباً ولا نقصاً،
بل وطنٌ سريّ ألوذ إليه.

هنا… في هذا الصمت، وجدتُ نفسي التي غابت طويلاً.
مددتُ يدي إلى أعماقي،
فلمستُ شيئاً جميلاً كنتُ أظنه مات.
شيئاً يحب بصدق،
ويعطي بصدق،
ويؤمن أنّ التضحية لأجل من نُحب ليست ضعفاً بل سموًّا.

لم أعد أطلب الكثير.
كل ما أريده هو بساطة الأشياء:
هدوءٌ يسكب طمأنينة،
أمانٌ يفتح أبواب الحلم،
ثم قلبٌ محب، مخلص،
نقسم معه الخبز والأيام،
حلوها ومرّها،
فنصير معاً كياناً واحداً بروحين.

لقد أدركتُ أنّ كل أنثى تبحث عن رجلٍ مقامه أرفع من كل المقامات.
رجلٍ يكون آلةً تعزف عليها موسيقاها السرية،
لتشبع به جوعها العاطفي،
ويكون هو الآخر عاشقاً لا يرى في الكون إلا قلب أنثاه.

ذلك الرجل ليس دنياها فقط،
بل دنياها والآخرة معها…
هو عالمها والعالمين.

ذلك السكن… وذلك الدفء في السكن،
هما الكمال الذي يتجاوز كل نقص،
والخلاف الذي لا يُفقد الود،
والاختلاف الذي يزيد الجمال.

هما الأمل المولود من رحم الألم،
والمأمن من قسوة الخوف والزمن.
هما الصدر الحصين، والشريك الحق،
الحبيب، السند، والوطن الذي يُحتضن.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

رد واحد على “أين أنا مني؟”

  1. السلام عليكم أحاول أن ارسل لكم مقالات لكنها لا تصل هل من طريقة أخرى غير الإيميل

    إعجاب

أضف تعليق