هبة الله حمدي*
تمكنتْ هي من أن تحملها على ساقيها، كان المسعفون يرفعونها على (الترولي) وهي تتشبث بها، كانت ميتة، صرختْ بعد أن تبينت ذلك، أخبرتهم أنّ عليها أن تدفنها هنا في بيتها!
لكني كنت ألمحها، مدفون نصف جسدها وقطعة دم متجلطة في منتصف ظهرها، صحتُ بهم ساعتها أن ينقذوها، كان المسعفون ينبشون عن الآخرين ولم يلتفتوا إليها، كررتُ عليهم أنّ عليَّ أن آخذها، أشرتُ ناحيتها وأخبرتهم أنها كانت معي لتوها، كانت معي جالسة على الأريكة البرتقالية التي تحبها كما أحبها أنا!
في المشفى لم أبكِ، ضمتني أمي، ولهث لسانها ألف مرة بالحمد على سلامتنا، لكني لم أرَ إلا لؤلؤ، وهو يخربش الكنبة البرتقالية كعادته ثم تلك الستارة السوداء التي سقطت!
مذ قامت الحرب في غزة وأنا أتحاشى مطالعة نشرات الأخبار أو ملاحقة الصور عبر منصات التواصل، تجلس ماما أمام التلفاز لتتابع، أتهرب غالب الوقت من الجلوس، حتى ظهر ذاك المقطع أمامي اليوم: تضع قطتها في حجرها تُمسّده وهو ميت!
لم أبكِ هرتي يومها، كنت كمن رفضت أن تبكي ولدها قبل أن تقتص ممن قتلوه، لكن أظن أني لم أبكِ لأني لم أجد ماءً في عيني، ظلّت صورته مصلوبة أمامي ورأسه يبزغ من التراب قربي وهم يحملونني وأبتعد عنه تدريجاً، كان قريباً لكني عجزت عن أن أصل إليه!
حين طلبتُ لماما بسذاجة الأطفال أن نجلب لؤلؤ لدفنه، مسّدت شعري وقالت إنّ الوضع غير آمن للعودة.
اليوم شاهدتُها، تلك الفتاة التي كانت تشبهني وقتها، في العاشرة تقريباً، كانت تبكي، طمأنني ذلك! لأننا حين لا نبكي المواجع في وقتها، فإنها تظل مصلوبة على عتبة الروح!
حين جلبه (البابا) قبل أعوام ثلاث كان صغيراً جداً في حجم حبة موز صغيرة، قال بأنه وجده وحيداً على ناصية الشارع، وضعه بحرص في كفي لأني أردت بشدة إمساكه، قال لي: (ديري بالك عليه هو مش لعبة)، لم يكن لعبة حقاً، لكننا كنا نلعب سوياً، أقذف له الكرة فيجلبها بحماس فأظل ألقيها أبعد وأبعد وأخبئها داخل صندوق اللعب أو أسفل السرير لكنه كان يجلبها في وقت قصير، كنتُ أتحداه وأزداد إصراراً كل مرة: “ما راح تجيبها المرة هاي”، فيجيء بها بين فكيه هازاً ذيله.
اختفى أبي بعد جلبه للؤلؤ بشهرين تقريباً، عرفنا بعدها أنه اعتُقل وقضى نحبه في السجن!
قِطُّها بدا أبيضاً، كان مُترباً طبعاً، وكان لؤلؤ رمادياً ببقعة سوداء في جبهته، بقيتُ اليوم أبحث عن تكملة فيديو تلك البنت وقطتها، رُمتُ الاطمئنان: هل دفنَته؟ هل وضعت شاهداً على قبره؟ هل صلّت عليه؟
لأني أردت إذ ذاك أن أقبّله، أن أواريه التراب إلى جوار الكرة الطرية التي يحبها، أن أكتب على شاهد قبره: هنا يرقد لؤلؤ، صديق ليلى.
لم يكن منطقياً أن أبذل كل ذلك للبحث عن تلك الفتاة، حتى أني علّقتُ على الفيديو: “الحمد لله أنه معها، أتمنى أن تحظى بضمة أخيرة له ودفنة تليق بهما، لأننا حين ندفن حيواناتنا الأليفة ندفن معها جزءاً منا لن يعود أبداً كما كان!”
عشر أعوام كاملات انقضت، بقيت الحرب واحدة، تقتل العصافير والقطط والأطفال، دون أن تُفسح لضمة أخيرة، أو لدمعة وحيدة!
لكني أخيراً اليوم بكيت، بكيتُ لؤلؤ وبكيتُ قطة الفتاة الغزية، بكيت وأنا أخرج كرته التي أصررت على جلبها معي في رحلة لجوئنا الطويلة، وخبأتها عشرة أعوام كاملات، خرجتُ لحديقة منزلنا الصغيرة، وفي تُربة لا تشبه تُربة بلادنا، حفرتُ فيها وغمستُ الكرة، ردمتُ عليها سريعاً.
تلاشت صورة لؤلؤ من عقلي تدريجياً، حلّت محلها صورة الفتاة وهي تُمسّد ظهر هِرتها وتبكي، كنتُ أنتحب.
*أخصائية العلاج الطبيعي، كاتبة شغوفة، قارئة، مهتمة بالأدب والعلوم.
أرى أنّ الأدب هو الطريقة المُثلى التي ابتكرها البشر للتعاطي مع مصائبهم دون أن يفقدوا روحهم.


اترك رداً على Shima إلغاء الرد