إيمان عابد
بل تسعُ جرائمَ بكفنٍ أبيض، وبنيّةٍ سوداءَ مبيّتة.
جاءها الخبرُ على طبقٍ من صاروخٍ ناريٍّ مُفخّخ، استهدف قلبَها قبل أن يستهدف بيتَها، ونال من روحِها قبل أن ينال من أطفالِها التسعة.
لم تعرف آلاء النجار، طبيبةُ الأطفال، والابنةُ البارّةُ لغزّة، كيف تركت أطفالَها في بيتها المحاصَر بالدبّابات، يصارعون صوتَ أزيز الطائرات، وشبحَ الموت الذي كان يُخيّم على المكان.
آهٍ، لو كانت تستطيع أن تُخبّئهم في جوى قلبِها، تُوصد عليهم حناياه!
آهٍ، لو كانت تستطيع أن تُواريَهم خلف نور عينيها، تُطبق عليهم الأجفان!
لم يكن أمامها، منذ عامٍ أو يزيد، غير هذا الخيار؛ فغزّة استحالت كلُّها قذائفَ نارٍ، وقصفاً همجياً، ودويَّ موتٍ تُهلِع له القلوبُ وتَصُمّ له الآذان.
غزّةُ استحالت كلُّها دوائرَ نيرانٍ تنال من كلِّ شيءٍ قبل كلِّ شيء، بلا سابق إنذار.
ما أصعبَ أن تتبدّد أمامك كلُّ الخيارات، لتكون سجينَ خيارٍ واحدٍ، هو أمرّ من العلقم، تتجرّعه كلَّ يومٍ ولا تكاد تُسيغه!
هذا ما حدّثت به الطبيبةُ نفسَها، وهي تقف تتأمّل وجوهَ أطفالها، تتلمّس ملامحَهم حتى لا تضيع منها، تروي شوقاً جارفاً إليهم، وهم يرتمون في أحضانها، تضمّهم بين ذراعيها، تحوطهم بدفء أنفاسها، وتُؤنسهم بدقات قلبها؛ فلربّما لا تعود سالمةً إليهم آخرَ النهار.
أو لربّما…؟
لا، طالما كانت تطرد عن نفسها كلَّ ما يُوقظ فيها كابوسَ فقدِ أحدهم.
هي لا تريد أن يتراود إلى ذهنها، ولو لحظةً، ذلك الاحتمال.
استودعتهم بين يدي ربٍّ رحيم، ثم انطلقت تُهرع مسرعةً تُلبّي نداءَ واجبها الإنسانيّ والوطنيّ، قبل واجبها المهنيّ.
هناك، في مجمّع ناصر الطبي، في مستشفى التحرير بخان يونس، لونُ الدماء والأكفان يُطوّق الساحاتِ والأرجاء، ورائحةُ القهر والظلم تتقاذفها ريحُ العدوان، تتناثر هنا وهناك، تسلبُ أهلَ غزة كلَّ ذكرى دافئةٍ وطيفاً جميلاً للأمن والسلام.
وصنوفُ الوجع والعويل تقف حائرةً أمام هول أعدادِ المصابين والمفقودين وطوابير الجثامين، وأنينُ الحرب يصدح عالياً، يصطدم بحقيقة الواقع الأليم، يستنهض حتى الحجر، لكنه لم يستنهض قَطُّ عالماً جباناً ما يزال يتمسّك بأذيال الخزي والعار، ولا يأبى إلا الخذلان.
وبينما الطبيبةُ وسط هذا الركام من الخطوب والمآسي، منهمكةٌ في عملها، لا تألو جهداً في إسكات آلام الأطفال، وتضميدِ جراحٍ تحكي قصصاً وتفاصيلَ أحداثٍ يشيب لها شعر الرأس وتقشعرّ منها الأبدان،
ترامى إلى مسامعها ما لم تستطع إسكاتَ وقعِه على قلبِها المتفاني، ولا تضميدَ قسوته على جسدها المتهالك؛ لقد تعرّض منزلها إلى قصفٍ جوّيٍّ غاشمٍ أدّى إلى إحراقه وانهيار كلِّ ما فيه.
صمتت… وجمت… جمدت في مكانها…
ثم أطلقت لصوتها العنان:
“إيف! سارة! راكان!…
هل من سامع؟! هل من مجيب؟!”
ثم ما لبثوا أن جاؤوها محمّلين يلبّون النداء…
تسعةُ جثامينَ صغيرةٍ متفحّمةٍ بكفنٍ أبيض.
تِسعةُ أكفانٍ اصطفت أمام ألمِها المغروس في الأعماق، تِسعةُ أكفانٍ اصطفت أمام حزنِها المسكوب في ضنك السنين العجاف، تِسعةُ أكفانٍ اصطفت أمام قلبِها المفجوع بألم الفقد مراراً وتكراراً، طال به فجرُ الليل الحالك، والليالي السوداء.
يا لهولِ الصدمة، وعِظَمِ الخطب، ووَجعِ الأقدار!
أنّى لقلبِ الطبيبةِ أن يتّسع لألمِ الفقدِ هذا؟!
للهِ دَرُّ أمّهاتِ غزّةَ، يحملنَ عبءَ أمةٍ، وإنّ حملَهُنَّ لتنوء به الجبال!
لقد تفحّمت أجسادُ أطفالِها، خانتهم أسماؤهم، وذابت ملامحُ وجوههم خلف حقدٍ أسود، كما سُرق حقُّهم في الحياة بيدِ الغدر، خلف جريمةٍ نكراء.
اقتربت، تدنو منهم، تُمسك عليها دمعَ عينِها وأنينَ روحِها، تجرّ خلفها حملاً ثقيلاً، هو حِملُ وطنٍ طالما غنّى للحرية والأحرار.
عرفت بنبض قلبِها كلَّ واحدٍ من أطفالها، فلا أهميةَ للوجوه ولا للأسماء؛ في قانونِ الأمومة، قلبُ الأمّ لا يَخذل، قلبُ الأم لا يُخطئ أياً من الأبناء.
وقفت وقفةَ الخنساء، ترثيهم دماً وحرقةً، وتهديهم وعداً صادقاً أن تلقاهم على درب الشهادة في دار الجِنان.
لقد احتسبت أجرَها عند الله؛ فلله ما أعطى، ولله ما أخذ، وإنا إليه راجعون.
وهم – يقيناً – أحياءٌ عند ربِّهم يُرزقون.
فإن عاش أطفالُ غزّة، فقد عاشوا وروداً متفتّحةً في أرضها، وإن استُشهِدوا، فهم في سمائها أقمار.


أضف تعليق