نجلاء القصيص*

أثناءَ مغادرتنا همسَ عجوز كان يجلس على قارعة الطريق في أذن الحياة قائلاً:

– “يدُ الحرب طائلة، لم تأتِ على شيءٍ إلا دمَّرته، وتركت بقايا الركام ذكرى على صدر الأيام”.

في تعرُّجات وجهه ألفُ وجع، لم يُقَل.

مددتُ يدي إليه:

– المكان غير آمنٍ يا عم!

ولكنه لم يستمع إليّ، وظلَّ يتمتِم:

– لقد سقطوا من قطار الحياة، وبقيتُ أنا شجرة فروعها يابسة، تعيش خريفها الطويل.

تركته خلفي، ومضيت، فالطريق أمامي وعر يكسوه الظلام والضباب، وعلى جانبيه فوضى وضوضاء لا تنتهى. كما تركت خلفي جثثاً متناثرةً، ودخاناً يغطِّي السماء الحزينة، وألسنة اللهب تشتعل في أوساط المنازل. صوت عويل.. استغاثات لا تنتهي… كوابيس تسير على قدميها تاركةً بصمتَها في أزقة المدينة الثكلى.

طُهر الحياة فيها فَقَدَ عفويته حين أشعل إنسانٌ يبحث عن الخلودِ فيها شرارةَ الموت الأولى..

وضعتُ قدمي على سجَّادة الأمل خارجَ المدينة وأنا أصمُّ أذني عن سماع حقيقة الدمار الذي يطوّقُ المكانَ خلفي؛ فالأمل يكسوني كربيعٍ حلَّ للتَّوِّ بالعودةِ والجلوس في شُرفتِنا محتسياً فنجاناً طازجاً من شجرة البن في حوشنا.

صورةُ العجوز ملتصقةٌ بذاكرتي، وددتُ لو أعود إليه وأخرجه من قدرِه الاختياري. أغمضتُ عينيَّ، وتابعتُ سيري مع أفواج البشر الهاربة في طرقات مجهولة. أحمل حقيبة سفَري الخالية إلا من ذكريات تمتدُّ أمامي كسُلَّمٍ من زمنِ الطفولة حتى اليوم؛ أولها كان وشماً قسمَ ظهري، ونقشَ في ثنايا قلبي جرحاً لم يلتئم، فرحيلُه لم يكُن أمراً عادياً.

صرختُ حينها:

– لن أصدّق ما قيل، فأنا لم أرَهُ بأمِّ عيني.

كل ما أتذكَّره أنه غادر على عجالةٍ متسللاً بين أسلاكٍ شائكةٍ في حدودٍ وُضعت لتقسمَ الإنسان عن بعضه.

كان هدفُهُ أن يقينا العوزَ الذي بدأ يحلِّقُ في سماء حياتنا، عَمِلَ في غربته بأماكن رطبة وباردة؛ جعلت مرضَ الربو -الذي كان يعاني منه- يتفاقم، فذبل ذاتَ يوم، وترك رياحَ الخريف القاسية تدوي خلفه في منزلنا.

أستند بظهري إلى شجرةٍ وحيدةٍ تتوسطُ مخيَّمَ النزوح الذي نعيش فيه، تنهدت، ومسحتُ دموعي؛ فالرجال لا يبكون، كما كانت تقول أمي.

أطلقتُ سهامَ نظراتي أتفحَّصُ المكان، شعرتُ بارتياح؛ فلم يرَ دموعي أحد.

قلتُ في نفسي: قطار الحياة قاسٍ للغاية، في رحلته المجهولة، تخلى عنا بإنزاله أخي في محطّة مظلمة، لا يُسمَع فيها سوى صدى الانفجارات، ورائحة البارود التي علِقتْ بجسده!

لقد فعلها، ولم يخبر أحداً؛ حمل “الكلاشنكوف” وصوَّبَهُ تجاهَ عدوٍّ يقال إنه من بني جلدته.

كان يكتبُ مذكراته بخطٍّ باهتٍ ويدسُّها في جيب “الجاكيت” الذي يرتديه، لقد شمَّ عطرَ رحيلِه مبكراً.

يا إلهي، كيف يبقى أثرُ الندبات خالداً في القلوب والعقول، وإن مضت السنوات؟!

ذلك المساء تجمَّعَ رجالُ الحارة حولنا يهدِّئون من روعِها، ونحن في حالة ذهول.

– يا خالة، فداء الوطن.

– أنتِ أُمُّ الشهيد الذي مُزج دمه بالتراب الغالي.

وضعوا صورةً كبيرةً له في صالتنا، وأخريات مشابهة لها في مدخل الحارة ووسط الشارع.

بعدها أسدلوا الستار، فدراما الحياة تأتي بمشاهد جديدة تمحو ما قبلها. صورتُه القديمة وحذاؤه المثقوب كانا هما كنزَ والدتي الثمين، كل ليلة تضمُّهما لصدرها، وتبدأ حفلةَ النحيب بالقرب منها، وعلى نافذةِ غرفتها تسكنُ بومةٌ تشاركُها حفلتَها، فموالاتها تئنُّ في ليلٍ بارد، مما جعلني أتدثَّرُ بلحافِ الخوف، وأصم أذنَيّ عن السماع، فوجع الفقد ليس يُنسى.

على صوتِ الخُطى المتباعدة، وصرخاتِ الصغار وهُم يلعبون بالحجارةِ وأعوادِ الشجر، هطلَ مطرُ عينيَّ مجدَّداً.

تباً للذكريات! لا تفارقني، تجعلُني أشبَهَ بطائرٍ سُلبتُ حريتهُ على حين غرّة فبقي أسيرَ الماضي.

ذات وجعٍ لم يُنسَ، حفرَ تاريخَه في أضلُعِي؛ كان السقوطُ مدوّياً من على ظهر القطار، ودونَ سابقِ إنذار.

صوتي كان ضعيفاً جداً، ولم يصِلْ إليها، حين كنتُ أستنجد بها علّها تسمعني:

أُمِّي، لا تتركيني وحيداً، أنتِ آخرُ جدارٍ أستند إليه!

لم تلتفِتْ إليّ، ولم ترحمْ توسلاتي.

بعد أيام عاشتْها تصارع وباء الكوليرا اللعين، قضت نحبها مع الكثيرِ من الأمهات، والأطفال في المخيّم.

حاولتُ الرحيل بعيداً في دروبِ الحياةِ؛ لأغسلَ وجعي بماءِ النسيان، ولكنّني أضعت البوصلة، فالضباب كثيف، والعتمةُ حملتني إلى غيمةِ المجهول، فعدتُ أحملُ حقيبةَ أوجاعي إلى حيثُ الغروب، وذلك الصوتُ في داخلي يكبُر:

مطرُ السعادةِ لن يهطلَ في أرضِك…!


*تكتب القصة القصيرة والمقالة والخاطرة، لها مجموعة قصصية لم تُطبع بعد، وأعمال منشورة في كتب مشتركة وعدة مواقع.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق