يُقاوِمُ الزَّيتونُ

ميَّادة مهنَّا سليمان – سورية

السَّاعاتُ المُعلَّقةُ على جدرانِ الزَّمنِ
هاربةٌ الآنَ إلى اللاجدوى!
الكلُّ مُنشغِلٌ
في عَدِّ ضحايا العذابِ،
يعدُّونهُم كيساً كيساً،
وربَّما يعدُّونهُم كيساً واحداً،
ضربَ عُمرٍ يقبلُ القِسمةَ على عائلةٍ!

الأسرابُ الَّتي تراها
في سماءِ غزَّةَ،
تلكَ الَّتي تأسرُ دهشتَك،
ليستْ عصافيرَ،
إنَّها خيالاتُ أرواحِ الأطفالِ
حينَ افترسَتْها ذئابُ الحقدِ،
فنزفَتْ براءةً،
واستحالَتْ جراحُها أجنحةً
هيهاتَ… هيهاتَ تنكسرُ!

يسيرُ الحزنُ في غزَّةَ
على قدمَينِ من صبرٍ،
يتوكَّأُ عصا الصُّمودِ،
يهُشُّ بها قطيعَ الموتِ،
يستريحُ كعجوزٍ
على مصطبةِ الأملِ.

فيمرُّ به طفلٌ كَسيحٌ
يُحرِّكُ دولابَ عربةِ الحياةِ
علَّها توصلُهُ إلى الأمانِ،
فتتدحرجُ بهِ إلى هاويةِ الأوجاعِ،
فيتبعثرُ مثلَ قِطَعِ البَزْل،
لكنْ لا أحدَ يجمعُ صورتَهُ،
لا أحدَ يُركِّبُ قِطَعَ طُهرِهِ،
سوى أمِّهِ الغارقةِ في شِبرِ حُزنٍ.

تنحني كنخلةٍ بغداديَّةٍ
مُثقلةً برُطَبِ الصَّبرِ،
تلمُّهُ في ذاكرةِ قهرِها
شهقةً… شهقةً،
ودمعةً… دمعة.

تضمُّهُ بيدَي الفقدِ،
فتكتشفُ أنَّها مبتورةُ الفرحِ.

يصرخُ قلبُها:
أينَ ابني؟

تردُّ الخيبةُ…
يفنَى طفلُها
وتبقى العربة!

يُعربِشُ الدَّمارُ في غزَّةَ
كاللَّبلابِ،
لا تستطيعُ رياحُ الغدرِ
أن تُبعثرَ أوراقَهُ،
ولا يستطيعُ جفافُ تُربةِ الإصرارِ
أن يُميتَ زهرَهُ.

يهرمُ الزَّيتونُ في غزَّةَ قبلَ أوانِهِ،
تشيبُ أوراقُ انتظارِهِ،
فيذرفُ الألمَ
زيتونةً… زيتونة.

يُقاوم…
يُقاومُ حتّى الورقةِ الأخيرةِ.

تقطعُهُ فأسُ الظُّلمِ
فينبتُ زيتاً!

هنا…
هنا المعجزاتُ على أرضِ القداسةِ.

هنا تُندِّدُ البيّاراتُ،
هنا تلبسُ كوفيَّةَ الكفاحِ
وتشدُّ مئزرَ البأسِ،
فتشمخُ
برتقالةً… برتقالة،
وتصمدُ
ليمونةً… ليمونة.

يأتي فلَّاحٌ أسمرُ
يبذرُ عمرَهُ
في تُربةِ الأملِ،
يرويهِ من عرقِ جراحِهِ،
فتنبتُ منه بنادقُ
تُثمرُ نصراً
يتذوَّقهُ الجميعُ عسلاً،
ويتجرَّعهُ الغاصبُ زقُّوماً!

تزغردُ الأمَّهاتُ في فلسطينَ
في الأعراسِ والجنائزِ
على حدٍّ سواء.

تقولُ امرأةٌ ثكلى:
عندَنا فقط
الموتُ والحياةُ توأمان،
الحزنُ والفرحُ توأمان،
الدَّمارُ والبناءُ توأمان.

تسري عدوى الفقدِ إلى جارةٍ لها،
تربطُ حزامَ الثُّكلِ على قلبِها،
تشدُّ أمانَ صمتِها،
فتتطايرُ أشلاءُ صبرِها.

تتذكَّرُ ابنَها،
تتذكَّرُ عُرسَهُ،
ولونَ طقمِهِ الأبيضِ،
تتذكَّرُ أطواقَ الوردِ
التي خجلتْ من رائحتِهِ.

تلمحُ عروسَهُ…
ما زالتْ
على ذمَّةِ جراحِهِ.

تلبسُ ثوبَ النَّصرِ،
تتزيَّنُ بطرحةِ الوعدِ،
ما زالتْ
سمراءَ… جميلةً… قويَّة.

هكذا أرادَها…

اسمُها البندقيَّة!
اسمُها البندقيَّة!


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق