نورهان عبدالله*
وقف كمن يبحث عن شيء مفقود، عن كنز ثمين، وقف ناظراً إلى الفاترينة، ويديه مُثلجة، وعقله مشتت، وقلبه مُعلق كيديه في الهواء.
ارتكن إلى الحائط، وبدأت تجول الأحلام في عقله، ماذا يعني اذا اشترى هذا المعطف، ثم هذا البنطلون الكلاسيكي، وهذا القميص المنمق بلونه الأزرق سيذوب على جسده سيجعل منه طفلاً غير عادياً.
لكن….
من أين سيأتي بالنقود، وهو شحاذ يوماً ما، ويوماً آخر بائع مناديل؟ فكر لبرهة من الوقت في سرقة المحل، وقف منتصباً كهالة ضوئية تنير عتمة قلبه، ثم أخرج من جيبه النقود ناظراً إلى اللافتة المكتوب عليها ثلاثمائة جنيهاً، وبدأ العد، لم يكُن معه سوى عشرون جنيهاً، قال في قرارة نفسه:
– ربما لو دخلت إلى صاحب المحل سيعطف علىَ.
ثم راح يتأمل ملابسه القديمة لتي بليت من كثرة الشحذ وهي ملتصقة بجسده.
خطرت له فكرة أن يكسر الفاترينة ويسرق الملابس ويهرب، سيفعلها في الليل بعد أن ينام الناس في نوم عميق، وفجأة ظهرت من خلفه يد تربت على كتفه، فمسح يديه في ملابسه من قطعة خبز كانت ملقاه بجانب المحل، سقطت في فمه الصغير، لكنه تراجع عن الفكرة، لأنّ ضميره أصبح يؤنبه، كيف يسرق؟ ألا يكفي أنه شحاذ؟ وسأله الرجل:
– هل أعجبك؟
– نعم.
– كم معك من المال؟
– قليل جداً.
– تعال معي.
كان صاحب المحل رجلاً طويلاً، قوي البنية، ووجد نفسه يذهب معه لا إرادياً.
دخلا المحل، ثم طلب الرجل من الطفل أن يخلع ملابسه الرثة، ويذهب معه إلى الحمام ليبدأ مرحلة تنظيف وجهه ويديه وجسده من أثر اللف على قدميه التي باتت تؤلمه من شدة التعب، ويديه المثلجتان المشققتان، ثم أسقط الماء على وجهه، فأصبح أبيضاً منوّراً كنور البدر في اكتماله، ثم أخذ يديه وسأله بعطف:
– أيهما تفضل… هذا.. أم ذاك.
تلعثم الطفل وقال وهو يبسم ابتسامة حزينة:
– اختر لي، فأنا لا أحسن الاختيار.
قال له الرجل في عجالة كمن يريد أن يسرع ليرى كيف سيكون وجه الطفل وهو مرتدياً ملابس جميلة تشبه ابتسامته:
– أظن هذا أجملهم.
ابتسم الطفل وهو يخلع ثيابه واحداً تلو الآخر، ثم بدأ في لبس ملابسه الجديدة، قال الطفل في فرح:
– لقد أصبحت عريساً.
كان جميلاً كوجه أمه وهي تطلب منه أن يعطيها ما اكتسبه من مال أثر الشحاذة، ثم تذكر أخته الصغيرة، وسأل الرجل:
– هل يمكن أن آخذ ملابس لأختي الصغيرة أيضاً…؟
قال الرجل وهو يُعدل من هيئة الطفل:
– نعم.
ثم فجأة سمع صوت أمه وهي تضربه على رأسه لأنه تركها تشحذ وحدها، وهو يتأمل جسده، بعد أن وقع على الأرض واتسخت ملابسه الجديدة بالطين كما امتزج حلمه بالواقع، فظلّ واقفاً لا يعرف هل يفرح لأنه أصبح عريساً أم يحزن لأنه عاد شحاذاً.
*قاصة وشاعرة – استراليا


أضف تعليق