محمود عاطف الخرشه

منذ أن أطلت عليه بوجهٍ يحاكيه القمر، وتقتبس من سناه الشمس بقدر، تذوب النسائم عند مرورها فوق تفاصيل إطلالته عند الفجر، فلا يدانيه مُدانٍ إلا وقد اكتوى بحرّه أو وقف مصلوباً بقرّه دون حذر.

ضمّ في موكبه جيوشاً من حمولات كنوزه وسرايا فتونه ودلّه بلا قدر، لا تستقر الأبصار للقائه ولا المرور على أقاصي أعتاب ظلاله، إلا بان وظهر.

صادف أن التقى به على غفلة من الزمن، كان عند لقائه به بين أمرين: الثبات بلقاء النصر، أو التولّي وعدم الظفر. حاول مشدوهاً أن يلملم ما توارث، وما في أعماقه من كرامة وكبرياء في لحظة، فاصطبر.

كانت تقترب منه الهوينى، وسحائب تخطو بخطوها من فيض الجمال والسحر. بدأت في مملكة جنانه تمتد المساحات وتتباعد المسافات، لتتغشاها غمائم من الألوان التي لم يعهد بعضها من قبل. كانت تحوم وتنشط تلك الغمائم في تموجات وتحركات منتظمة وغير منتظمة كأمواج البحر الهادر.

لم يستطع بصره الترحال في ثناياها وانعطافاتها، فكان يختلس من بصره لحظات غاية في القصر، بإطباق جفنيه وإراحة مقلتيه مما به انبهر.

دامت تلك الفوضى وذاك الطوفان المنتظم حيناً والمضطرب حيناً مدة من الوقت، وفي لحظة انكشفت هذه الغمائم عن استدارات وتحوّلات تلك المساحات وتلك المسافات الشاسعة إلى غطاء ممتد أخضر العباءة، تصطف فيه نباتات بين قصيرة ومعتدلة الطول من أعشاب وزهور، وبين أشجار متوسطة الطول وأشجار شامخة تمتد أغصانها وتفرعاتها إلى ما لم يره من قبل.

تكتنف أشجار تلك الأدغال تشابكات معقدة، ذات أثمار متنوعة الأحجام والألوان، مدلاة ومنتصبة في أغصانها بأشكال شتى.

بدأ يتوارى، يضمحل ويتقزم كل شيء فيه بلا حولٍ منه ولا قدرة. أخذ النعاس يتغشاه، يمتد في كل ناحية من جسده، تحمله حالة من اللاوعي بعيداً. كان جسده ريشة تُحلق في دنيا الفضاء، تباعدت أطرافه وسكنت، تسمّرت الكلمات على شفتيه، وقد اعترى نفسه شيء من الخضوع والاستسلام.

قوى خفية كانت تُحيله إلى دمية في يد طفل.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق