عبدالحي الزراد – المغرب
“.. ونا مع المكتاب نقاسي العذاب..” بهذه الكلمات من أغنية ليلي طويل على سماعاته يغلق الباب متجهاً بخطاه المتثاقلة وشعر غير ممشوط نحو شباك أقرب وكالة بنكية بحي بوخالف بمدينة طنجة.
مرهق، وحامل لمهانة العمل في شركة أجنبية بنظامها الإقطاعي الذي يسرق الأعمار ويسلب كل شيء جميل من صاحبه، ولا يقبل هذا العمل من أجل الاغتناء، وإنما ككل بؤساء الوطن الذين يسعون لسد رمقهم بدل الانحراف.
اليوم هو السابع والعشرون من دجنبر (ديسمبر)، وفي هذا اليوم ستحوّل الشركة أجور عمالها لحساباتهم البنكية كعادتها كل شهر.
لم يتبق معه سوى دراهم قليلة، وغير كافية لما سيحتاجه هذا المساء من أكل، وثمن قهوته المعتادة، وتعبئة الهاتف المنتهية منذ أسبوع. لذلك فهو بحاجة إلى سحب أجرته حالاً ليقضي أغراضه، ويرسل نصفها غداً لأمه الأرملة بمدينة العرائش.
يقترب من الوكالة البنكية، فيلقي نظرة فرح مدفونة في أعماقه “بعد شهر من العذاب والقسوة؛ ها قد أتى الفرج”، يُهمهِم لنفسه قبل أن يأتي دوره في الشباك.. يقترب، يتحسس البطاقة البنكية داخل جيبه ويخرجها، يردد القن السري بكل ثقة، وهو يكتبه على لوحة الشباك.. ثم ينتظر.
يرمش بعينيه المسودتين جراء أرق ليالي العمل ليتأكد مما يرى “حسابكم بدون رصيد”.. لتسري في ركبتيه ارتعاشة هلع واندهاش من قسوة المشهد. هل حقاً لم تتحوّل الأجرة اليوم؟ هل أخّروها ليوم غد؟.
يسحب البطاقة ويُعيد إدخالها، لكن بدون جدوى. “الملاعين لم يحوّلوا الأجرة البائسة” يقول مخاطباً اللاشيء، وصوت احتجاج يأتي من خلفه “اسمحلي أن أسحب.. فأنا على عجل”.
يستدير بجسده المرتعش هماً ويأساً ويخطو.. إلى أين يخطو؟ إلى أين يُولّي وجهته؟. والسواد استولى على أفقه “أهذه الدراهم التي تُفقدك إنسانيتك يؤخّرونها عنك”. يقول والحسرة تتسرب لقلبه على أيام الجامعة التي لم تؤهله شواهدها لحفظ كرامته.
تتوقف الساعة أمامه بضبابية المشهد، فيحاول أن يتفحص ملامح المارة ليرى إن كان هناك من هو أتعس منه، لكن بلا نتيجة. لم يعد يرى سوى الأطياف البشرية المسرعة، السماعات لازالت تدندن بهمسات لا يميزها، صوت الباعة حوله من كل اتجاه، والحركة تدب في المكان. لا وقت لأحد كي يلاحظ مآسي الآخرين، كلٌ يدفن شقاءه ويمضي، كلٌ يعانق خيباته وحده، لا ألم مشترك هنا. الكل يأخذ نصيبه بطريقته وعلى قدر تحمّله، وقد يتوزع الشقاء أحياناً بطريقة غير عادلة على سكان المدينة، فيكون النصيب الأكبر لعمال الشركات، والغرباء أيضاً؛ الذين جاؤوا من مُدنهم وقراهم كي يتذوقوا مذلة المكان المغلف بنسيم الأمل، أمل الضفة الأخرى للمتوسط الذي تستنشقه طنجة مع كل شهيق لها.
يقترب من شاب في مثل عمره يبيع الفشار على الرصيف: “درهم ونصف، أريدها دافئة”. يتطلع فيه الشاب، ويسأل: “تريده مالحاً؟”. يجيبه بنبرة المستسلم: “لا يهم”. فطعم الأشياء ما عاد مُهماً، مادامت الأيام مالحة ومرّة جداً.
يأخذ الكيس الورقي ويبتعد قليلاً ليجلس على سور نافورة قديمة، حوله الكثير من الناس.. أطفال يلعبون، أسر تتنزه، ومن الجهة الأخرى للشارع مجموعة من المهاجرين الأفارقة يلعبون ويضحكون. لم يكن لديه أي تعليق في تلك اللحظة على مصائبهم، وكفاحهم الطويل للوصول إلى هنا، فهو في كل الأحوال مثلهم.. مجرد كائن منسي ينسخ أيامه المتسربة في نقطة صغيرة من الكون.
وهو يرمي الفشار إلى فمه يقترب منه طفل صغير تسلل من حضن أمه ليُحدق في كيس الفشار ببراءة الملاك، يتطلع فيه بابتسامة عذبة: “هل تريدها؟..خذها”. يُسلم الكيس الورقي للطفل دون تردد وهو يربتُ على شعره، ليمنح نفسه جمالية المشهد.. أن يتأمل سعادة الطفل يعود غانماً إلى أمه التي لا تعرف ما فعله ولدها بروح الغريب الذي يجلس خلفها، كانت لحظة بعث جديد له، أن يمنح سعادة مؤقتة لكائن صغير تنتظره قسوة الأيام.
نفض سرواله، وهَمَّ بالوقوف ليتمشى ويُنفّس طاقاته. “أريد أن أتحرر، أنا لست مثلهم. الناس تتعذب في هذا الركن الشقي من العالم، وتتأقلم.. أما أنا فأضيع في كل هذا.. أضيع للأبد”. يردد كالمجانين كلماته في الشارع المكتظ بكل أنواع البشر والمبيعات، ويبتعد، لا لشيء. فقط ليبتعد.
يخترق الرصيف بطيفه وهو يُصرّ على أن عذاب سيزيف كان وهماً، عذابه كان أكذوبة.. سيزيف نفسه أكذوبة، اخترعها هوميروس ليُسلي بها الشعراء عبر الأزمان.. في تلك اللحظة من ليل دجنبر البارد والقاسي عليه، كان قد تلاشى وسط الجموع المكتظة، وصار جزءاً من تلك الكتلة المعذبة.



أضف تعليق