انطونيوس عطيه

كنت أعرف أنّ هذا اليوم سيأتي، لكنني ظللتُ أحاول تأخيره قدر ما استطعت، اتسع البيت حولي أكثر من اللازم الآن، الجدران تردّ إليّ كلماتي كأنها تسخر مني، والكرسي المقابل لمائدتي صار ينظر إليّ فارغاً صامتاً، لم يقل لي إنه سيغادر هكذا، لم ينبّهني، أن ربما فعل وأبيتُ أنا أن أسمع. ترك لي المفتاح فوق الطاولة، كأنني أنا الغريبة التي ستدخل بعده، أمشي في الغرف فأجد أثره حياً في كل شيء، قميصاً نسيه خلف الباب، كتاباً وضع فيه علامة عند صفحة لن يكملها هنا، كوباً بشرخ صغير كنت أقول له كل يوم سأرميه، فيضحك ويقول ببراءته المعهودة:
“اتركيه، ما زال يؤدي عمله.”

حتى الأشياء كانت تعرف كيف تتمسك بما ينفعها، يقولون إنني السبب، الأقارب يهمسون، الجارات يرفعن حواجبهن حين أمرّ، وحتى أختي نظرت إليّ تلك النظرة القديمة التي تلبس ثوب الشفقة وتخفي خلفها الإدانة، يقولون إنني أفسدت زيجاته كلها حتى ضاق بي وترك البلاد، كلام سهل، يقال من أفواه لم تسهر ليلة واحدة على حرارة طفل يرتجف، ولم تبع ذهبها لتسد مصروف مدرسة، ولم تنم جائعة كي يشبع، أنا لم أفسد شيئاً، فقط كنت أحميه، فمن الذي سيهتم به أكثر مني، من التي ستعرف أنه مهموم من رائحته فقط حينما يدخل من الباب، من سيحضر له ما يحب من الطعام غيري، كنت أحافظ على سبب حياتي، وعلى كل حال لم تكن إحداهن تصلح له زوجة على أية حال، فالأولى كانت كثيرة الضحك، المرأة التي تضحك كثيراً لا تطمئنني، من تضحك لكل الناس، كيف تحفظ بيتاً؟ رأيتها من أول مرة تتكلم أكثر مما ينبغي، وتقاطعه في الكلام. قلت له فقط:
“انتبه، من لا تحترمك أمام الناس لن تحترمك وحدكما.”

هل هذا إفساد؟ بعد شهرين اكتشف بنفسه أنها تريد أن تنقله بعيداً عني، قالها غاضباً كأنها اكتشافه هو، سكتُّ. تركته يظن أنه اختار، أما الثانية فكانت هادئة أكثر من اللازم، الصامتون يُخفون أشياء كثيرة، جاءتني تحمل الحلوى وتخفض عينيها، لكن أصابعها كانت تتحرك بعصبية فوق الطبق، من تخفي ارتباكها خلف الأدب تخفي ما هو أكبر. سألت عنها، فقيل لي إنّ أمها تسيطر على البيت كله، وهل أُخرج ابني من يد أم إلى يد أم أخرى؟ قلت له:
“هذه لن تتزوجك وحدك، ستتزوجك هي وأهلها.”

غضب يومها، ثم عاد بعد أسابيع يقول إنّ طلباتهم لا تنتهي. أيضاً اكتشف وحده، لكن الثالثة أحبها، نعم، أحبها كما يقولون الآن، رأيته يتغير معها، صار يبتسم وحده، يُسرّح شعره قبل الخروج، يدندن في الحمام كالأولاد. كنت أراقبه وأقول لنفسي: “هذا ليس ابني، هذا رجل آخر يؤخذ مني بالتدريج”، لم تعجبني من البداية لأنها لم تكن تخافني، المرأة التي لا تخاف أم الرجل خطر، دخلت بيتي كأنها تعرفه، رتبت الوسائد بيدها، وفتحت النافذة دون أن آذن لها، قالت وهي تضحك:
“البيت يحتاج هواء.”

بيتي يحتاج هواء؟ هل تريده أن ينفرد من كل ما يتعلق بي لهذه الدرجة؟ بيتي أنا يحتاج الهواء؟ عشت فيه عمري ولم يختنق إلا حين دخلته هي.

يومها مرضت، أو ظننت أنني مرضت، لا أذكر، صدري ضاق فعلاً، أو ربما ضاق من الفكرة. جاءني يركض وتركها وحدها في الصالة، ظل بجواري يبلل رأسي بالماء. نظرت إليه وهو مرتبك وخائف، فعرفت أنني ما زلت الأولى. بعدها بأيام افترقا، قال إنّ الظروف لم تساعد، نعم، الظروف اسم مهذب لأشياء كثيرة.

يقولون إنني غيورة، من مَن؟ من فتيات جئن وذهبن؟ أنا أمّه، أنا التي أعطته الحياة، أنا التي صنعت هذا الرجل من لحم ضعيف وعظام لينة، حملته تسعة أشهر، ثم حملته لسنوات، كنت أمشي والسوق على كتفي، وهو على ذراعي، كنت أعمل كثيراً لأوفر له حياة آمنة، وأعود لأغسل وأطبخ وأذاكر له، حين مات أبوه، لم يطرق بابنا أحد إلا ليسأل كيف سنعيش، ثم انصرفوا، أنا فقط بقيت، لم ينفعه عم أو جد أو خال، أنا من وقف بينه وبين العالم كحائط.
أليس من حقي أن أعرف من تستحقه؟

لكن البيت اليوم كان صامتاً بطريقة تجرح، لا أحد يطلب الشاي، لا أحد ينادي من غرفته:
“أين قميصي؟”

لا أحد يترك حذاءه في منتصف الممر فأصرخ ثم أبتسم وأنا أرفعه، حتى غضبي كان له وظيفة، والآن صار بلا عمل.

وصلتني صورتهما أمس، أرسلها هو، أو ربما أرسلها ليعاقبني، يقف بجوارها مبتسماً أمام بحر بعيد، يضع يده على كتفها كما كان يضعها على كتفي حين نعبر الشارع، نظرت طويلاً إلى الصورة، ثم كبّرتها حتى اختفى البحر وبقي وجهه فقط، بدا سعيداً، وهذا ما أكرهه في الأمر، لو كان تعيساً لقلت سيعود إليّ، إلى حضني الدافئ.

فتحت خزانته اليوم، ما زالت رائحته هناك، خفيفة، كأنها تتردد قبل الرحيل الكامل، وجدت بين الأوراق رسالة قديمة بخطه: “سامحيني إن تأخرت يوماً عنك، لكن لا تمنعيني من حياتي”، لا أذكر أنه أعطاني هذه الرسالة، ربما كتبها ولم يجرؤ، جلست على الأرض وأنا أمسك الورقة، لأول مرة خطر لي سؤال لم أحبه قط، إذا كان قد احتاج أن يكتب هذا، فماذا كنت أفعل به؟ أنا لم أرِد إلا أن يبقى، هل هذه جريمة؟

ربما أخطأت في الطرق، لكنني كنت وحدي، الناس يربّون أبناءهم ثم يوزعون الحب على أزواج وأصدقاء وأعمال وحياة كاملة، أما أنا فلم يكن لدي غيره، كان بالنسبة لي الحياة بأكملها، وضعت عمري كله في شخص واحد، ثم كبر الشخص وغادر، وبقي العمر فارغاً، الآن أفهم لماذا كانت كل امرأة تبدو لي سارقة.

نزل المساء، لم أشعل الأنوار بعد، تعجبني العتمة لأنها لا تُظهر الأشياء الناقصة، أجلس على كرسيه، أنظر إلى الباب، وأفكر، لو عاد الآن، هل سأعتذر؟ أم سأقول له كالعادة إنني أعرف مصلحته أكثر منه؟
لا أعرف.

كل ما أعرفه أنّ المفتاح ما زال فوق الطاولة، وأنني كلما سمعت صوتاً في السلم، رفعت رأسي كالمجنونة، لكنه ليس هو، وتعرف أنه لن يكون.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق