لين العواملة
في تلك اللحظات التي يبدو فيها وكأنّ الماضي قد حُكم عليه بالزوال، وأُودِع في أرشيف “فقد أهليته للإثبات”، فأصبح جزءاً من التاريخ، كخيالٍ لا كحقيقة، وأنّ كل دقيقةٍ مرَّت حملت مشاعر قويةً هائجةً كانت زائفةً صاخبة، وأبعد من أن تكون صادقة، وأنّ الحاضر والماضي خطّان غير متصلين، وعالمان مختلفان انتقلنا بينهما، تقف الحقيقة تائهةً، ضائعةً، تتساءل: أين هي في كل هذا؟
وأنّ كل ما عشته ما هو إلا ما نجح العقل في تخزينه في ملفات الذكريات، فلا وجود له ولا أثر سوى ما بقي في ذاكرتي متجمّداً، فتعيش اللحظة في ذاتها مراراً وتكراراً.
فدورة حياتها لا تتعدى الثواني، مشوّهةً ناقصةً، لكنها نابضة بالحياة كصوت نبض الجنين في رحم أمه.
هي كل ما أملكه… هي كل حياتي.
لحظات وثّقها قلبي، وحمّضها العقل، لحظات تصارع كي لا تُنسى.
تلك اللحظات هي ما يربطني بوجودي السابق، هي حبلي السري للنجاة من العدم.
تلك اللحظات هي الدليل، يا سيدي القاضي، لأثبت لك أنني لست وليدة اللحظة، وأنني لست روحاً في جسدٍ عابر.
أنا وُجدت في الزمن القريب، ولا أزال موجودة، ودليل وجودي أنني أتذكر، يا سيدي.
المحكمة، بعد المداولة، حكمت حضورياً:
الأدلة المقدمة ضعيفة، ناقصة، ومشوّهة.
لا تثبت وجوداً، ولا تنقذ من الزوال.
وعليه، يُحكم على المدعية بالعدم.
ابتسمت المدعية، تناولت القلم الذي أمامها، ووجَّهته نحو قلبها، وقالت:
“إلى العدم إذن.”
غرست القلم في قلبها، وسال الدم…
الدم الذي سيبقى دليلاً على وجودها.



أضف تعليق