فرح الخطيب

أتدرك ذلك الشعور؟
رغبتك في أن تتقيَّأ نفسك! أن تلفِظك كلُّ الموجودات، وتخرجَ من رحِمها حراً طليقاً.

إنَّ الأشياء من حولي تُضيِّق الوجود.
أحسّها تَغُلُّني غلاً، أو لكأنّني أتشرّبُها فتغدو روحي أثقلَ فأثقل، وأتردّى إثرها في غورٍ عميق.

لكن صوتاً ما يأتيني كخلاصٍ محتوم.
لطالما حدّثني وآنسني وأنا في هذا اللحد الكريه.

أسمعهُ من حولي يهمسُ لي بأني سأتحرّرُ هاهنا:
“فلتفعلْها، اضرمِ النَّار هاهنا.
فلتُخرِج غضبك المكنون، وليحترقِ الوجودُ بأكمله!
ستكون نيرانكَ هذي برداً عليك.
ستحرّرك من هذا القاع الدّنِس.”

إنّ الصوت يتعالى، ويغدو الهمسُ جلجلةً تزلزلُ الأبدان!
وإنني أغضبُ -ولستُ أدري لمَ- في كلّ مرّةٍ يدوي فيها الصوت!

ثمّ رأيتُني؛ وأنا أجلسُ على الكرسيّ ذاته، هذا الذي احتضني عند كلّ فاجعةٍ مرّت بي..
أحدّق بالأشياءِ من حولي، ولا أزالُ أحسّها تجثمُ فوقَ صدري كالجبلِ الشّاهق.
رائحةٌ لاذعةٌ تخترق أنفي، وما أحلاهُ من ريح!

تتعشّق بأنفي رائحةُ الوقود؛ لتبشّرني بالخلاصِ القريب.
وأنزل بعينيّ لهذا الشّيء النّحيل بين أصابعي..
لكم هي مفارقةٌ ساخرة؛ كيف لعودِ الثّقاب الهزيل أن يُضرم النارَ بالفرع الباسق؟!

شعلةٌ خفيفةٌ تشتعلُ في رأسه.
أحسّ دِفأه يُطمئِنني كقبلةٍ خفيفةٍ تأتيك وسْط الاحتضار.
ثمَّ تشتعلُ هذي القبلة، ويجتاحُك دفءٌ غريب يبثّ الحياةَ في جِرمكَ المتهالك.
كالنَّار تضطَّرمُ وتغزو الأرض.

لكنّها ها هنا لا تُحيلكَ أرضاً جرداء!!
بل تنبثقُ بك من قلبِ الرّدى إلى الوجود السّرمدي.

إنني في هذه البقعةِ البائسة؛ على كرسيّي المعتاد، أرى اللظى يبتلعُ كلّ شيءٍ من حولي.
وكلما زمجر الحسيس، كأنما تُنفَخُ فيّ الرّوح من جديد!
وتنصهِرُ الجدران الشّاهقة، ليغدو الضّيق من حوليَ اتّساعاً شسيعاً.

وأحِسّني هنا..
ألتحمُ بهذا السّعير، وأذوب فيه.
ويغلّفني دفءٌ شديد، لكأنّما غدونا شيئاً واحداً!
وينفتح الَّلحِد المقيتُ عن الرُّوحِ المنهكة.

هنا وقفتِ القبلة..
وتبدّدتِ الأشجان..
واستيقظَ المسجونُ في قلب النّعيم..
وانبثقتِ المضغةُ التي كانت متكلسةً جِرماً ينبضُ بالحياة!


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق