نادية حناد حان

عزيزي الإنسان:

منذ ولادتك يتم اختيار تفاصيلك..
لون بشرتك..
لون عينيك..
موقعك الجغرافي..
نقطة بداية مشوارك في الحياة، ونقطة نهايتك..

حتى الطريق الذي ستسلكه قد تم اختياره لك!
وربما حتى عدد خطواتك التي ستسلكها قد تم تحديد عددها!

لم يسألني أحد إن كان لون بشرتي يشبهني..
أو إن كان هذا الطريق لي..

كنت فقط هناك!

كلما خطوت خطوة إضافية صفق لي القدر.
وقال: استمر!

وإن لم أعترض، أهداني فتاتاً من النور.
وقال، كعادته: استمر!

استمريت..
واستمريت..

حتى نطق “استمر”، وقال لي:
– أشفق عليك..
لا تستمر!

أجبت:
– إني مهزوم..
أو ربما أنا حائر يا استمر..
لا أريد هذا..
وهذا لا يريدني..
حتى أنت يا استمر لا تريدني..

أنا خائف..

أريد أن أبكي وأبكي حتى يبكي البكاء لبكائي..
أنا متعب يا رب!

أجاب:
– قلت لك يكفي..
لا تستمر!

طردني “استمر” شفقة عليَّ.

خطوت أول خطوة خارج الطريق..
لا أحد يصفق لخطواتي..

حرمت حتى من فتات النور.

وحدي..
كنت وحدي..
ولا أزال وحدي!

بلا طريق!
بلا نور!

في ظلام مبهم..

فجأة سمعت “استمر” يصرخ من بعيد:
– استمر..
استمر بكل ما أوتيت من قوة..
لا تعُد!

واستمريت..

مرّت أيام..
لا أدري أين أنا..
ولا كم مشيت..

ولكن فجأة ارتطمت بشيء.

صرخ ذاك الشيء:
– يا هذا، كنت نائماً..
أيقظتني، لعنة الله عليك!

صوت امرأة رقيق غاضبة.
– اعذريني يا سيدتي…
فالظلام في كل مكان، لم أستطع رؤياك.

انفجرت ضاحكة.
– لِمَ تضحكين يا هذه؟

قالت:
– يا لك من طفل أبله..
مع الوقت ستتعلّم الرؤية في الظلام..
يبدو أنك ناجٍ جديد!

أهلاً بك يا هذا!
وصفقت.

أدمعت عيناي..
أول تصفيق لي بعد نجاتي، على حد تعبيرها.
ثم تلاه تصفيق مدوٍّ أكثر قوة من ناجين آخرين في الظلام.
يا إلهي، ما أروع هذا!

أنا لا أراهم، ولكن أراني فيهم!

صرخوا جميعاً بصوت واحد:
– استمروا!

واستمررنا..

كنت كطفل صغير يتعلّم المشي في الظلام..
أتعثر كثيراً..
أقع..
أرتطم بالأشياء..
أتألم، وأقف من جديد..

حتى فهمت:
الوجود يُرى حتى في الظلام..
وهكذا أصبحت أرى.

وأصبحت أرانِي أيضاً!

ألم أخبركم:
أنا أيضاً موجود!

أين أنت يا استمر؟..
ليتك تراني موجوداً ومشبعاً بالوجود.
استمر أصبح يصفق لي أيضاً..

فجأة سمعت صوتاً مألوفاً يناديني.
إنه استمر!

استمر أيضاً خرج عن الطريق!
استمر لم يستمر!

صرخت منادياً لأصدقائي:
– صفقوا لعزيزي استمر!

إنها ولادة وجود استمر!
– استمر، اسمعني..
لن نفترق بعد اليوم!
لنستمر يا استمر..
سنصل!

ربما نكون قد وصلنا!


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق