الصداقة… حقيقة أم أقنعة مزيفة

شيرين فكري عثمان* 

يُقال: “الصداقة هي الشجرة التي يحتمي بظلّها المسافرون في رحلة الحياة الشاقة.”

لكن… هل ما زالت هذه المقولة تحمل معناها الحقيقي في زمننا هذا؟ أم أصبحت مجرد فكرة جميلة نرددها، بينما يكشف الواقع عكسها حين تتساقط الأقنعة وتظهر الوجوه على حقيقتها؟

كثيراً ما نظن أنّ مقولة “الصديق وقت الضيق” حقيقة ثابتة لا تتغير، لكن… هل ما زالت كذلك، أم أصبحت في هذا الزمن أقرب إلى أمنية منها إلى واقع؟

لا نكتشف الحقيقة إلا عندما تحل الشدائد؛ فحينها تسقط الأقنعة، وتنكشف حقيقة الكلمات المعسولة أمام الأفعال الصادقة. هناك من يخيب الظن فيه، رغم أننا كنا نظن أنه آخر من يمكن أن يخذلنا، وهناك من يثبت أنه أهلٌ للمحبة والوفاء، فيبقى إلى جانبنا حين ينسحب الآخرون.

حقاً، إنّ مكانة الناس في قلوبنا لا تُبنى بالوعود، ولا تُهدم بالكلمات، وإنما تُحسم دائماً بالأفعال.

للأسف، صار كل شيءٍ محتملاً في زمننا المسخ هذا، دون دهشةٍ أو صدام من ضربات من حولنا.

ولأنّ الحياة فيها تجارب نتعلّم منها، واختيارات وقرارات تحسم مصيرنا، وترسم بداية أو نهاية علاقتنا بمن حولنا، فقد صدق من قال: “لا تندم على معرفة أي شخص في حياتك، فالجيدون يعطونك السعادة، والسيئون يعطونك التجربة، أما الأسوأ فيعطونك درساً”.

هكذا هي الحياة؛ نعيشها لتُحاكي عقولنا، ونتعلم ونتعظ من مواقفها معنا حتى آخر نفس يخرج منا.

لا أدري لماذا أصبحنا نعيش في واقعٍ مرير؟ وكأنّ مفهوم الصداقة أصبح قائماً على المصلحة، مهما كانت درجة قُربه منا، أو منذ متى عرفناه.

وللأسف، عندما يُسأل عن ذلك، تقول الأغلبية العظمى إنّ الظروف والحياة هي التي تتغير وتتبدل أحوالها، ولكن العكس هو الصحيح؛ فالقلوب هي التي تتحوّل، وتنقلب نفوس أصحابها حسب أهوائهم، حتى أصبح الجميع يفكر في حاله، ولا يرغب في الحفاظ على الصداقة أو العلاقات الإنسانية إلا نادراً، في زمن يُطلق عليه، للأسف، “زمن المصالح”.

ولكن قبل أن نتحدث عن أنواع الصداقات في هذه الأيام وأندرها، لا بد أن نعرف ماذا تعني كلمة “صداقة”، ومن هو الصديق الحقيقي، وعلى أي أساس تُبنى هذه العلاقة؟ وهل ما زال يوجد صديق حقيقي في هذا الزمن؟

فأصل كلمة “صداقة” يأتي من الفعل “صدق”، أي الصدق في الأفعال قبل الأقوال، وما أكثر الأفواه هذه الأيام حين تثرثر بأقوال لا تفعلها.

وحين يجهل بعض الأشخاص قراءة عيون رفقائهم، فلن يستطيعوا سماع صوت قلوبهم أبداً.

ويا حسرة على مقولة “اختر الصديق قبل الطريق”، التي كأنها انقرضت مع مرور الأيام، وكأنّ كثيراً من الصفات الجميلة داخل الإنسان قد تلوّثت أو ضاعت.

أما عن أنواع الصداقة، فهي كثيرة حسب مفهوم كل شخص للصداقة، ومدى رغبته في استمرارها أو مصلحته منها في بعض الأحيان.

ومن أهمها صديق العمر أو رفيق الدرب، كما يُطلق عليه، فهي من أنقى وأندر العلاقات في هذا العصر. فدائماً ما يُقال: “صديقك من يصارحك بأخطائك لا من يُجمّلها ليكسب رضاك”.

فالصداقة بئر يزداد عمقاً كلما أخذت منه. لذلك فإنّ الأصدقاء بحق هم من تجدهم يتشاجرون، ثم يأتون في اليوم التالي وقد نسوا زلات وأخطاء بعضهم، لأنهم ببساطة لا يستطيعون العيش دون بعضهم، وكأنهم تعوّدوا على طباع بعضهم، وإن كانت غريبة في بعض الأحيان.

وما أجمل هذه الصداقة، فهي ليست صداقة وقتية، بل هي عِشرة عُمر، مثل الوتد يزداد قوة مع كل شدة.

وعندما يُقال: “الناس معادن”، فإنّ هذا ينطبق على هذا النوع من الصداقة التي لا تتغير مهما طالت المسافات ومرّ الزمان، بل تقوى وقت الشدة.

فالصديق حينها يظهر من حيث لا ندري، وكأنه يشعر بنا وبأزمتنا، فيأتي ليساند ويدعم، ويحاول أن يسعدنا حتى لو كان بداخله هموم كالجبال. لأنّ الصداقة، كما يُقال: “لا تعني أن يكون صديقك يرافقك كل يوم، ولكن أن يكون بجانبك عندما يتخلى عنك الكون”.


اقرأ أيضاً
رحلة العقل في زمن الغفصَة
قراءة نجيب محفوظ ككاتب يبحث عن الحِرفة والإنسان
القطعة الأخيرة..  صفحة من مذكرات طبيب ما
مريم الشكيلية: كيف تعلّمنا الكتابة أن نرى أنفسنا من جديد؟


فمثل هذا النوع من الصداقات أصبح الآن كعملة نادرة، أو بمعنى أدق “كنزاً لا يُقدّر بثمن”، ومن يملكه يتمسك به، ولا يفرط فيه من أجل أشياء زائلة، لأنه سيأتي عليه يوم يحِن فيه إلى هذا الصديق، فلا يجد منه إلا سراب الذكريات.

ولهذا نأمل جميعاً أن تبقى وتدوم مثل هذه العلاقات النقية في مجتمع مليء بالكثير من التناقضات.

ولعل أجمل ما قيل في هذا المعنى قول الصوفي والفيلسوف شمس الدين التبريزي:

“اقترب من الذين يفتحون في روحك نوافذَ من نور، ويقولون لك إنه في وسعك أن تُضيءَ العالم”.

أما عن أغرب صداقات هذا الزمن، فهناك من يدّعي الصداقة بوجهٍ بشوش وابتسامةٍ زائفة، وقد يعرض علينا خدماته في وقتٍ لسنا بحاجة إليه، ولكن عندما نتعرض حقاً لأزمةٍ ما ونلجأ إليه، نجده قد تبخّر؛ إما بالتهرب وعدم الرد، أو بخلق أعذارٍ واهية.

أما أسوأ هؤلاء الأصدقاء، فهو الذي نكتشف مع مرور الأيام أنه من يطعننا في ظهورنا، ويحاول تدميرنا، وينقل كل أخبارنا وأسرارنا.

فنُصدم بعد طعناتٍ متتالية بأننا منحنا ثقتنا لمن لا يستحق، لمن كنا نثق به ثقةً عمياء. وللأسف، فقد ضللنا بصيرتنا في معرفة حقيقة من حولنا.

وكما يُقال عنهم: “المنافقون في ظهورنا شياطين، وفي وجوهنا أولياء الله الصالحين”.

لا أعلم لماذا كل هذه التحوّلات الجذرية في نفوس البشر؟ ولماذا تلك الصدمات التي نكتشفها يوماً بعد آخر من قِبَل من كنا نعتبرهم أصدقاء؟

وهل للتكنولوجيا دور في اضمحلال هذه الروابط والعلاقات النقية؟ فعلى الرغم من التطوّر التكنولوجي الذي وصلنا إليه اليوم، والذي كان من المفترض أن يقرّبنا ويقرّب قلوبنا ومشاعرنا، إلا أنه باعد كثيراً من العلاقات، حتى بين الإخوة والأهل.

فالوجوه لم تعد تتقابل ولا تتسامر كما كان من قبل، وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي الوسيلة الأبرز للتواصل، لتنقرض معها كثير من وسائل التواصل الجميلة، كالزيارات المنزلية، وأحاديث الشُرفات والسلالم، والرسائل الورقية “الخطابات”، والتسجيلات الصوتية التي كنا ننتظرها بفارغ الصبر ممن نشتاق إليهم.

وحتى الاتصال الهاتفي أصبح يقلّ عند البعض بحجة مشاغل الحياة، وكأننا أصبحنا نعيش بأيدينا داخل عالمٍ مغلق يفصلنا عن أي تواصل حقيقي؛ مجتمع افتراضي، وهمي، بعيد عن المشاعر والإحساس بالآخر، نواسي بعضنا عبر الشاشات لا أكثر.

فهل يجب، بعد كل ما سردناه عن الصداقة وما أصبحت عليه من ضمورٍ في روابطها النقية، أن تكون العلاقات بين الأصدقاء سطحية، منعاً لأي احتكاك أو صدمات موجعة؟

وهل كل الصداقات تصلح للعتاب، أم أنّ الأمر ينتهي عند هذا الحد بالقطيعة؟ رغم أننا كنا نقول عند حدوث أي مشكلة أو سوء تفاهم: “إنّ العتاب محبة”، خوفاً من فقدان هذا الرفيق.

وهل ستتحقق مقولة الكاتب “إميل سيوران” مع ما نلمسه من تعاقب السنين والأعوام، وسرعة تصرّم الأزمان والأيام:

“كلما مرّت السنوات، ينخفض عدد الذين نستطيع التفاهم معهم، وربما يأتي يوم لن نجد شخصاً نتحدث إليه أصلاً”.

وختاماً، فإنّ من يؤمنون بالصداقة وما تحمله من مواقف قوية، لا تُربكهم لحظات الخصام، بل يبتسمون عند الابتعاد، لأنهم يعلمون أنهم سيعودون قريباً.

ولهذا يُقال: “الصداقة كالمظلة، كلما اشتد المطر زادت الحاجة إليها.”

ولأنها كنز نادر الوجود في عصرٍ غابت فيه كثير من المعاني الإنسانية، قال الحسن البصري:

“تواصلوا مع أصحابكم، فالصاحب الوفي مصباح مضيء، قد لا تدرك نوره إلا إذا أظلمت بك الحياة.”

شكراً لأصدقائي الذين لم يملّوا يوماً من صمت الحديث، وظلّوا بجانبي رغم الوجع.

دمتم بخير يا أحبائي، ولقلوبكم كل السعادة.



*كاتبة ومُعِدّة برامج في إذاعة البرنامج الثقافي بالإذاعة المصرية… مصر
* مقال بمناسبة اليوم العالمي للصداقة ” 30 يوليو”


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق