رحلة العقل في زمن الغفصَة

فؤاد الجشي

في خضم الحياة تتولد طاقات فكرية لا تهدأ، تعود دائماً إلى السؤال الذي يسبق الاعتقاد، وإلى الحيرة التي تسبق اليقين المكتسب منذ الولادة. هناك، في اللحظة التي يلتفت فيها الإنسان إلى ذاته للمرة الأولى، يبدأ البحث الحقيقي؛ لا بحثاً عن إجابات جاهزة، بل عن السؤال الذي ظلّ مختبئاً تحت طبقات الزمن، ينتظر من يوقظه. ربما لم يكن الإنسان بحاجة إلى مزيد من الحقائق، بقدر حاجته إلى أن يعرف كيف وُلدت حقائقه الأولى.

هل سمعت بمصطلح الغفصَة؟

إنها ليست ازدحام الطرق ولا صخب المدن، بل ازدحام الأفكار الذي يجعل صوت الخارج أعلى من صوت الداخل. هي ذلك الضجيج الذي لا يمنعك من التفكير، بل يوهمك أنك تفكر، بينما أنت تعيد ترتيب أفكارٍ وصلت إليك قبل أن تمنحها حق السؤال. إنها اللحظة التي يصبح فيها الانشغال بديلاً عن التأمل، والاعتياد بديلاً عن الفهم.

وسط هذه الغفصَة، يحاول الإنسان أن يمسك بالخيط الأول الذي تشكّلت منه قناعته، لكنه يكتشف أنّ الخيط لم يكن منفرداً؛ فقد امتزج بالتجربة، واللغة، والذاكرة، والخوف، والرغبة في الانتماء. وعندما يحاول فصله عن بقية الخيوط، يدرك أنّ كثيراً مما ظنه صوته الخاص لم يكن سوى صدى طويل لأصوات سبقت حضوره إلى هذا العالم.

بعض الناس يعبرون الحياة مطمئنين إلى ما وجدوه جاهزاً، فيرون في اليقين راحة، وفي السؤال عبئاً لا ضرورة له. وآخرون يقفون على حافة المعنى، يراقبون ويترددون، ثم يقررون أن يعبروا نحو الضفة الأخرى، لا لأنهم يرفضون ما ورثوه، بل لأنهم يريدون أن يفهموه. فالعقل الذي وهبنا الله إيّاه لم يُخلق ليكون مخزناً للقناعات، وإنما نافذة نطلّ منها على العالم، فنرى، ونسأل، ونراجع، ونكتشف.

منذ أن خط الإنسان أول علامة على حجر، ثم ملأ بطون الكتب بحكاياته وتأملاته، وهو يترك أثراً لمن يأتي بعده، كأنه يقول: “هنا مررت”. غير أنّ التاريخ لا يسلّمنا الحقيقة كاملة، بل يسلّمنا محاولات الإنسان لفهمها. ليست الغفصة في تراكم المعرفة، بل في الاعتقاد أنّ ما وصل إلينا هو النهاية، وأنّ الأسئلة قد أغلقت أبوابها إلى الأبد.

الفلسفة لا تبحث عن حقيقة تُغلق الأبواب، بل عن سؤال يظل قادراً على فتحها، لا عن يقين تهدمه، بقدر ما يشغلها أن تفهم الطريق الذي قاد إليه. تسأل عن البدايات أكثر مما تنشغل بالنهايات، كيف وُلدت الفكرة؟ ولماذا استقرت؟ وهل كان يمكن أن تسلك طريقاً آخر؟ لذلك تبقى كلّ إجابة بدايةً لسؤال جديد، لأنّ الحقيقة ليست محطة يصل إليها العقل، بل أفقٌ يتسع كلما اقترب منه.


اقرأ أيضاً
كيف يصنع الأدب إنساناً أخلاقياً؟
فن طرح الأسئلة الصحيحة: خلق مسارات جديدة
رحلة الكاتب: من النقد إلى الإبداع، كيف تنمو ككاتب رغم التحديات؟
خيال المآتة
كاتبةٌ مع وقفِ التّنفيذ


 لعلّ أخطر ما في الغفصة أنها لا تسلب الإنسان حريته دفعة واحدة، بل تستعير صوته بهدوء، حتى يظن أنّ ما يقوله خرج من أعماقه، بينما هو يعيد تدوير كلماتٍ استقرت فيه منذ زمن بعيد. عندها يصبح التمييز بين ما اختاره بإرادته، وما تشكّل فيه عبر الأيام، هي مهمة تحتاج إلى شجاعة أكثر مما تحتاج إلى معرفة.

في حياة الإنسان تتراكم التجارب، والموروثات، واللغة، والصور، والذكريات، حتى تصبح جزءاً من طريقته في النظر إلى العالم. ومع مرور الزمن، قد يخيّل إليه أنّ اختياراته ولدت من إرادته الخالصة، بينما شاركت في صياغتها عوامل رافقته منذ البدايات. وهنا لا يكون المطلوب أن يرفض الإنسان كل ما ورثه، بل أن يمنح موروثه فرصةً للمرور عبر وعيه، لموروث لا يفقد قيمته حين يمر عبر التأمل، بل يكتسب عمقاً جديداً، فالفكرة التي يفهمها الإنسان تبقى في وعيه بصورة تختلف عن الفكرة التي يرددها بحكم الاعتياد.

الكلمة الصادقة قادرة على أن تشق طريقها وسط كل هذا الزحام؛ لأنها لا تبحث عن التصفيق، ولا تسعى إلى الانتصار في جدل عابر، بل تنشد المعنى. فالسؤال الذي توقظه النفس قد يكون أصدق من جوابٍ يُظنّ أنه الكلمة الأخيرة. 

الحقيقة لا تطلب منّا أن نمتلكها، بل أن نبقى جديرين بالسير إليها. ما بقي السؤال حياً، لن تكون الغفصة قادرة على أن تهزم الوعي، لأنّ الإنسان لا يكبر بما يحفظه من أجوبة، بل بما يمتلكه من شجاعة ليعيد النظر فيما يظنه يقيناً.

أيها الورد… جئت إليكم بهدوء، لا لأقدم حقيقة نهائية، بل لأشارككم دهشة الرحلة. فإنّ لامست كلماتي شيئاً في أعماقكم، فلأننا جميعاً نعبُر الطريق ذاته، ونحمل في داخلنا السؤال نفسه، وإن اختلفت الإجابات، فما زالت الحياة تستحق أن تُعاش، أحبّكم جميعاً.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق