حامد موسى*
في ليالٍ بعينها، حين يثقل الصمت ويضيق العالم، كان يعرف تماماً إلى أين يذهب.
لم يكن يعرف متى بدأ كل شيء يتفكك. صارت الأيام متشابهة على نحوٍ مُربك، تمر دون أثر، كأنها تنزلق من خلاله لا عليه. يستيقظ متأخراً – لا لأنّ النوم مريح، بل لأنّ اليقظة بلا جدوى. يجلس على حافة السرير يتأمل بقعة باهتة على الحائط، لم يكن يراها من قبل وصارت الآن رفيقاً صامتاً. لم يعد يخرج كثيراً، وإن خرج عاد سريعاً، كأنّ العالم في الخارج لم يعد يعرفه، أو أنه نسي كيف يكون فيه. أحياناً يقف في منتصف الغرفة، ينسى لماذا قام، ثم يعود ليجلس، كأنّ الحركة نفسها فقدت معناها.
في المساء كانت الوحشة تشتد، لا لأنها أكثر ظلمة بل لأنها أكثر صدقاً. كل ما كان ينجح في تجاهله نهاراً يعود ليجلس بجواره ليلاً: أصوات قديمة، وجوه غابت، ضحكات بلا مكان. لم تكن وحدة فحسب، بل شعورٌ أثقل، كأنه يعيش خارج الزمن، متأخراً عن كل شيء، حتى عن نفسه.
في تلك الليلة كان البرد قاسياً، والمطر يواصل هطوله بلا انقطاع، وقطراته تقرع الأبواب والنوافذ كأنها تطرق شيئاً داخله. انكمش أكثر، وسرت رجفة حادة في جسده، كأنّ الصقيع لم يكتفِ بجلده بل راح ينخر عظامه. لم يكن البرد يؤلمه وحده، بل ما يكشفه؛ كلما اشتد شعر كأنّ شيئاً فيه ينكمش ويخفت، كأنّ الحياة نفسها تهدأ داخله أكثر مما ينبغي. وفي تلك اللحظة اشتعل في رأسه حنين هادر إلى شيء بعينه، لمع في ذهنه بهيئته واشتد حضوره الطاغي في مخيلته، استدعاه الطقس المحيط به، إنه وابور الجاز القديم، بهيئته وصوته ودفئه، فهمس لنفسه: “ده… اللي محتاجه دلوقتي”. قرر أن يستدعيه من الماضي.
جلس أمام هاتفه طويلاً حتى توقفت عيناه عند صورة صغيرة باهتة قليلاً – وابور جاز. ظل يحدق كأنه يرى ما وراءها، تردد، ثم ضغط. حين وصل الطرد لم يفتحه فوراً، تركه أمامه ينظر إليه كأنّ داخله شيئاً يعرفه، وحين فتحه لم يكن يستخرج قطعة معدنية، بل ملاذاً.
ومنذ ذلك اليوم صار للوحشة بابٌ آخر. كلما اشتدت، أخرج الوابور من النيش القديم وأشعله ثم يصغى إلى وشيش الذاكرة. أمسك بالوابور النحاسي وملأ عينيه به طويلاً كما لو أنه يعثر أخيراً على لعبته المفضلة، مرّر أصابعه فوق جسده النحاسي اللامع يتحسس برودته التي توشك أن تصير دفئاً، ثم أعطاه نفساً بالكباس، واحداً يتلوه آخر في إيقاع يعرفه الجسد قبل الذاكرة، فاندفع الجاز من الفوّهة، وأشعل عود الثقاب وقرّب اللهب بحذر، وانتظر حتى تسخن العدّة، ثم عاد يمنحه نفساً آخر، وحينها ارتفع الصوت، وشيشٌ يتصاعد ويعلو ثم يستقر، كما لو أنّ آلة قديمة استعادت ضبطها؛ ابتسم – هذا هو، الصوت نفسه المخزون في صدره منذ زمن، سيمفونية صغيرة كان يسمعها طفلاً وعادت الآن لتُسمع من جديد.
أدرك، ربما للمرة الأولى، أنّ الدفء ليس شيئاً يُصنع – بل شيء كان موجوداً دائماً، ينتظر من يعرف كيف يعود إليه.
كان يشعر، كلما ارتفع الوشيش واستقر، أنّ شيئاً خافتاً داخله يستعيد توهجه ببطء. الذكريات التي ظل الزمن يطفئ أطرافها عاماً بعد عام، كانت تعود على وقع ذلك الصوت؛ لا كاملة ولا واضحة، بل دافئة ومرتعشة، كجمرٍ قديم ظنّه انطفأ، ثم هبّت عليه نسمة خفيفة فأضاء من جديد. لذلك لم يكن ينصت إلى الوابور بقدر ما كان ينصت إلى نفسه وهي تعود إليه.
مدّ كفّيه فوق اللهب فلامس صهدُه باطنهما، اشتدّ الجلد قليلاً وسرى فيهما تنميلٌ خفيف وخدرٌ لذيذ، كأنّ الحرارة توقظهما من سباتٍ طويل، ثم رفعهما إلى وجهه ومرّرهما ببطء، فتسلل الدفء إلى ملامحه وتوهّج وجهه، كأنّ الحياة تعود إليه من جديد. لم يكن يطلب حرارةً فقط، بل كان يختبر عودة الإحساس، أن يتحرك الدم، أن يتذكر الجسد كيف يكون حياً.
أدرك، دون أن يقول، أنّ الدفء لا يأتي وحده – بل يأتي دائماً من مكانٍ كان، لا من لحظةٍ تُخلق. البرد لم يكن عدوه، بل كان الطريق.
ثم يعود كل شيء؛ طفل يجلس أمام النار، عيناه تلمعان، وأم تنحني تعطيه “نفساً” فيعلو اللهب، وصفيحة ماء وطست ألومنيوم وضوء دافئ يملأ البيت. ينساب الماء ويضحك الطفل، ويصبح العالم بسيطاً بما يكفي ليُحب.
فتح عينيه وهمس: “خدني معاك…”
في صباحٍ هادئ حمل الوابور وخرج. وصل، وتوقف أمام الباب طويلاً كأنّ المسافة ليست طريقاً بل سنوات، ثم طرق. فتحت أمه، كانت أصغر في ذاكرته وأكبر في ملامحها الآن، لكن عينيها كما هما. نظرت إليه ثم إلى ما في يده وتوقفت: “هو ده…؟” ابتسم.
جلسا معاً، وضع الوابور بينهما وأشعله. نفس الطقس، نفس الصوت، وشيشة تعرف طريقها إلى القلب. لم يتكلما، لم يكن الكلام ضرورياً، كانت النار تفعل ذلك. شيئاً فشيئاً تبدلت الملامح؛ لم تعد تلك المرأة العجوز بل أماً شابة، ولم يعد هو رجلاً مثقلاً بل طفلاً يهرول ينتظر الماء. وضعت صفيحة الماء فوق الوابور كما كانت تفعل، نظر إليها: “لسه فاكرة؟” ابتسمت: “الحاجات دي… ما بتتنسيش.”
انساب الماء، وعادت اللحظة – ليست كما كانت، لكن بما يكفي.
لم يعودا كما كانا، لكن الوابور وحده كان يعرف كيف يعيدهما… قليلاً.
وربما هذا هو كل ما يحتاجه الإنسان – لا أن يجد دفئاً جديداً، بل أن يتذكر أنه لم يفقده، بل نسي أين تركه.
*صدرت له عدة كتب ومجموعات قصصية، نُشرت له العديد من القصص والمقالات في الصحف والمجلات المصرية والعربية.



أضف تعليق