نورهان عبدالله*
رتبت حجرة أمي، الملابس أكوام وبقايا حمام القط على الأرض. كانت أمي تحب القطط، تشعر أنها أفضل من مشاعر البشر المضطربة. حلقة من حلقات باب الغرفة انكسرت.
على الحائط نسيج من خيوط عنكبوت. وطلاء قد انتهت صلاحيته. الغرفة تحتاج يد تمسح كل آثار الغبار المتراكم على الأثاث. رتبت الكتب. مسحت الأرض. قطعت خيوط العنكبوت. عادت الغرفة تتنفس من جديد.
وسط كل هذه التراكمات غير الآدمية أخرجت مذكرات أمي وجدتها محشورة وسط كم كبير من الكتب. رفعت عنها الغبار ومسحتها بكف يدي. فضول قتل مشاعري: كيف تركت أمي مذكراتها وسط كل هذا العفن.
فتحت الصفحة الأولى وأنا أتساءل في قرارة نفسي.. ماذا ستكتب أمي بعد كل هذا العمر. خمس سنوات وأمي في المعتقل. بعد منشور كشف فساداً على أرض الوطن، لا أدري إن كان صدقاً أنني سأجد خيطاً يدلني على صورة أمي أمام مرآة الحياة…!
أم ستنصفها الحياة بعد كل هذه السنوات التي عاشتها في المعتقل؟! لا أدري، لما لا. فتحت الصفحة الأولى كتبت أمي بخط يدها (الارتباك يدفع جسدي إلى الانتفاض). لماذا تنتفضي يا أمي ماذا تحمل هذه المذكرات؟!
أتممت قراءة الصفحة الأولى (كنت كحمل وديع. يعيش الحياة حلوها ومرها… لا أريد أكثر من ذلك. كل ما كنت أريده مُجاب. سامحك الله يا أبي) أكملت القراءة وأنا ألهث حول السطور ربما هناك وجه آخر لأمي لا أعرفه. كتبت (تركتني يا أبي في ملجأ بعد أن تنازلت عني أنت وأمي متحججاً أنّ الحياة طريقها وعر.. ولا أجد أشد وعراً من حياتي هنا في الصباح نخدم عائشة صاحبة الملجأ. نغسل ونطهو وننطف الأرض والثياب وفي الليل تضربنا بالسوط لننام، كانت تردد بغضب وسطوة شديدة وهي تقذفنا ببعض من شتائمها (ناموا وإلا أتيت بالسوط لأجعل من أجسادكم لحماً للذئاب).
أتممت قراءة الصفحة كسحابة تسحب البساط من تحت قدمي. انتقلت إلى صفحة أخرى ومشاعري كمشاعر جندي عائد من هزيمة في حرب، لماذا تركها جدي في ملجأ.. ألا تكفي حياة أمي الموحشة في المعتقل!
أغلقت المذكرات بكيت كطفل يبكي لأنه بحاجة إلى طعام يسد جوعه، ثم فتحتها شوقاً والتحاماً مع ألمها، وقد دفعتني الصفحة التالية أن أضم المذكرات إلى حُضني الدافئ كحُضن أمي، قرأت السطور كمن يقرأ تميمة موت (كانت عائشة تكرهني لأنني فتاة متمردة ومدللة في بيت أبي قبل أن أصل إلى عتبات الدار، لكن مشاعري المضطربة والقاسية مع زوجي كانت سبباً ومصيراً موحشاً لـ (الطلاق) …تركونا وأختي معاً داخل أسوار الدار، كأسوار حديقة خالية من الزهر. وعائشة كل ليلة تلسعنا بالنار إذا حاولنا الهرب متسلقين أسوار الدار كنا نذهب صباحاً إلى قرية بعيدة عن قرية الدار لنُحضر براميل صغيرة من الماء نحملها على أكتافنا، ونعود لنضعها في زجاجات مياه بلاستيكية عفنة، وإذا اشتكت فتيات الدار فسيواجهن عقاباً صارماً، ستحرمها عائشة من الطعام أسبوعاً كاملاً، وستضعها في غرفة ضيقة في جو أشبه بالنار.
أما الطعام فلم ينضج لنأكل صنفاً واحداً لأسبوع كامل، وعائشة تسرق معونات كانت تصل من الحكومة أو من فاعل خير وتنسبها لنفسها دون أن تصرف علينا مليماً!
خرجت من الغرفة أحاول أن أتنفس هواء نقياً وأنا أقول لنفسي “آه يا أمي لقد تعبتِ كمن تشق قلبها لتخرج الألم بحثاً عن السعادة”.
تركت المذكرات على المنضدة وارتديت ملابسي مُسرعة، كان أول لقاء مع أمي منذ خمس سنوات. لدي احساس بأنّ المرة الأولى ستكون آخر مرة لما لاقيت من نتوءات في جسدها وجرح غائر لم يندمل، وارتفاع في السكُر مع شعور بألم أسفل القفص الصدري مع كسر في الحوض بعد معاملة قاسية في السجن.
مسكتُ يديها، لم يجر الدم في عروقها. كانت يدها مثلجة حين نسكب ثلجاً على رأس نائم في الشتاء فيصرخ متألما من شدة البرودة، أما أنفاسها المتقطعة كعلامة لخروج روحها، مسكت يدي وقالت وهي تتنفس ببطء (ظلمتني الحياة كثيراً فظلمتك… سامحيني) وسكتت كأنها قالت كُل ما يراد أن يُقال، وخرجت روحها وروحي ورائها، وبقيت وحيدة في غرفة تعلّمت فيها كيف يكون الموت ببطء، فما الذي نفعله حين لا يسعنا البِر إلا بالحُزن؟
*قاصة وشاعرة – استراليا



أضف تعليق