محمد الصغير
أكثر الأشياء التي يمكن أن تثير فضولك، تنبع من الطريقة التي يتدفق من خلال ما يسمى “الإلهام”، من أين يأتي؟ وكيف يهبط بمظلته على دماغك ليلهب حماسه؟ شيء عجيب بالفعل، فجأة، وبدون أي مقدمات، يقف أحدهم فوق رأسك بينما أنت نائم، ليدلق عليك الماء البارد، تستيقظ مذعوراً، يبتسم لك ببرود: “مرحباً، ها قد أتيت الآن، قم لنبدأ العمل”، تلسعه بنظراتك، تتخيل نفسك وأنت جاثم على صدره، بينما يديك تعصر رقبته، تود أن تفهم.. لماذا، لكنك تستسلم له في النهاية.
يأتي الإلهام ليمنحك دفعة من الدوبامين، فتشعر بالحماس والرغبة في الكتابة، ويجعلك تقفز من مكانك، وتصرخ، وجدتها.. وجدتها!
في الحقيقة، لم تجدها، الإلهام هو من أوقعك في شِباكه، فقط عندما كنتَ جاهزاً ظهرت الفكرة كوميضِ ضوء، واشتعل فتيل الإلهام، في تلك اللحظة، كنتَ منغمساً في التفكير، على أمل اقتناص فكرة، تبقى على حالك لبرهة من الزمن، تتخيل الكلمات التي تسبح في فضائك، أيهما سيهبط على مدرج مخيّلتك، تزداد حرارة تفاعلك، حينها فقط، يأتي الإلهام ليُخبرك بأنّ الوقت قد حان.. لأن تبدأ.
ببساطة، لا يتطلب الأمر تعقيداً، يمكنك تخيّل الرياضي الذي يستعد لخوض سباق الماراثون، عليه أن يقوم ببعض الحركات لتسخين جسمه، ووضعه في الحالة التي ستؤهله للوصول إلى خط النهاية، والفوز بالتأكيد، حتى مع وجود أعداد تقدر بالعشرات وربما المئات حوله، عليه أن يفعل ذلك، وأن يشحذ طاقته للفوز، وعليه أن يؤمن بأنه سيفوز لامحالة.
هذا حال الكاتب، يجلس على مكتبه، يُقلّب الأوراق، يحاول أن يصطاد فكرة، ليكتبها، وقد تكون هذه الفكرة هي بذرة مقالة أو كتاب، أو أي شيء يمكنك تصوره، تتنقل نظراتك المتربصة للمشهد، فتلمح كلمة، غارقة بين السطور، فتقول، وجدتها.. نعم وجدتها.
بدون تردد، تكتبها أول السطر، لئلا تتوه منك، وتذهب بتفكيرك بعيداً، وتحيطها بسياج من الكلمات لتبقى في مكان آمن، تحاول جاهداً أن تُظهر لها قدرتك على معاملتها بأسلوب رشيق، تحترم مخاوفها، وأحلامها، تغدو حريصاً أشد الحرص كي لا تجرح مشاعرها، وتعمل بجد على تلبية طلباتها، لقد صِرت خادماً، أو هذا ما يقوله لسان حالك.
لكنك تصطدم بعقبة في الطريق، تلمح كلمة أخرى، أكثر قوة وجمالاً، فتقفز سريعاً، لتكتبها مكان الكلمة السابقة، والتي لطالما قدمت لها فروض الطاعة، لكن تواسي نفسك، هكذا هي الحياة، لا تبقى على حالها، وتمضي في دربك من جديد، لتكتب الرواية الأعظم التي لم يكتبها أحد قبلك، تدغدغ مشاعرك مثل هذه الأفكار، أفضل ، وأعظم، وأجمل، وتسير قافلتك في فضاء لا حدود له.
فتصطدم مرة أخرى، بأنّ المقدمة التي كتبتها، لا تستحق أن تنال شرف تصدّر روايتك، وعليك أن تحذفها، نعم، تحذفها كلها، بلا رحمة، تصير -في تلك اللحظة- جامداً كالصخر، بلا مشاعر، تتعجب من نفسك، كيف تقتل أحبابك بيديك، هذا ما يدور في مخيلتك الآن، تضرب أخماس بأسداس، ثم تحذف، تتذكر تلك الأوقات التي كنت تذرف فيها دموع الفرح عندما كتبتها، وكنتَ ممتناً لأنها لم تخذلك، ما الذي حدث، كيف تتخلى عنها بسهولة؟
لم يكن الأمر سهلاً، -تقول في نفسك- لكنك اكتشفت أنّ النص لم يكن مناسباً، قد تكون بذلت لأجله الكثير من الوقت، ساعة، يوم، وربما أيام، لكنك قررت هكذا أن تتخلى عنه، ومع الوقت، تدرك أنّ ما فعلته هو جزء أساسي من رحلة الكتابة، وأنّ ما فعَلتهُ هو في صالحك، قد يكون ما كتبتَه تحفة فنية، لكنه غير مناسب في هذا المكان، فقررت أن تنقله إلى دفترك الخاص، على أمل أن يجد طريقه في حياة كتاب آخر.
تجلس بعدها، تتأمل صنيعك، لقد فعلتَها، فعلت شيئاً لطالما حلمتَ به، رغبتَ به بشدة، كنتَ تنام وتصحو، والحلم لا يغادرك، وتدرك حينها أنّ رحلتك في الكتابة، كانت تستحق منك هذا العناء، وهذا التعب اللذيذ.
هنيئًا لك… لقد ولدتَ كاتبًا في اللحظة التي بدأت فيها الرحلة.



أضف تعليق