قيامةٌ من تحتِ الرَّماد

آلاء حيان السياف – سوريا

ساخرةٌ من أطنانِ الملحِ
والجرحِ
على كتفيَّ،

سأبقى أحمِلُ أثقالَ الحقيقةِ
إلى أعالي العلن.

دمي الحقيقةُ،
سجَّادةُ النَّبيِّ.

دمي الهُدهدُ،
الفاضحُ أساطيرَ العجلِ المقدَّس،

ما دامت امرأةٌ
تنبشُ الأنقاضَ
بحثاً عن طفلها،

وما دامَ هناك
أبٌ يَعِدُ أبناءَهُ
بالماءِ،
والخبزِ،
والزَّيتِ،
ثم يُقتَلُ فلا يعود.

وما دامَ لا أحدَ
يُبدّلُ ثيابَ الحزنِ
في خزانةِ الأرملة.

وما دامَ الإخوةُ
يُكرِّرونَ مع يوسفي
سيرةَ الجُبِّ.

يا ربَّ،
هَبْ لي حاضراً لا يَعوي
مثلَ فكرةٍ سيّئةٍ عن العالم.

لا يقتفي أثري،
بغيبةِ العكّازِ عن مشيةِ العدالةِ العرجاءِ.

برائحةِ الجُثث،
وتحليقِ النّسور،
وعواءِ الظَّمأ،
وزئيرِ اليقظةِ في وجهِ ظباءِ النّوم.

مطرٌ…
مطرٌ…

ينزلقُ الآنَ مثلَ ابتسامةٍ ملتوية،
من خلالِ ثُقبِ السّماءِ المضطرب،

لا لشيءٍ،
فقط،
ليحملَ عُريَ أبناءِ العراءِ
لعُرْيٍ أكبر.

وأنتَ،
يا صبرَ أيوبَ،
انتظرني،
ريثما أجدُ قرصاً مُخدّراً
للجرحِ الذي يُخاطُ مراراً.

وريثما
أخطُّ على أذرعِ الأطفالِ أسماءَهم،
فلا يكونُ عنوانُ موتِهم مجهولاً.

وانتظرني،
ريثما أخدعُ الوقتَ بلعبةِ الوقت،
فأحملُ عقاربَ السّاعةِ
دونَ تكتكةٍ
إلى لحظةِ الانتصار.

دخانٌ… دخان،
دقائقُ الدُّخانِ لهبٌ،
مجزرة.

عدَّادُ أرقامٍ،
تمرُّ هكذا،
كأخبارٍ عاجلةٍ
على شاشاتِ تلفازِكم،
ثمَّ تُمحى،
كبصمةِ إصبعٍ
على ضبابِ نافذة.

لكلِّ رقمٍ قضى،
مضى،
أيُّها السّارحونَ في عتماتِ الوضوح:

اسمٌ،
لقبٌ،
حُلمٌ،
حكاية.

هُويّةٌ لونيّةٌ،
أشدّ تألّقاً
من قوسِ قزح.

يدٌ ممدودةٌ
لعيدِ ميلادِه القادم.

تأمّلٌ في الكواكب.

روحٌ،
أحبّةٌ،
ذكريات!

أوه،
مَن يحرسُ أثرَ الشُّهداء؟
مَن يُحيلُ حريرَ أجسادِهِم،
إلى قماشِ الكفن؟

للشّهيدِ الحقّ في مترينِ من وطن.
للشّهيدِ الحقّ في مِسكِ الختام.

الآن…
الآن،
ثمَّةَ قصفٌ كثيف،
ولا حمامةَ على امتدادِ المدى.

لكنِّي أهدلُ،
لِتَسقُطَ فصاحةُ المشهد،
فلا ترتفعُ أصنافُ السّؤال:

إلى أين؟
لماذا؟
ماذا بعد؟

وأنت،
في عُزلةٍ عن الحُطامِ والدُّجى،
يا صدى،
لا تُسكِتْ في قلبِي صوتَ الغضب.

لا،
لا تَخُنْ
أثرَ البيوتِ التي تُهدَمُ
هكذا،
بغمضةِ عينٍ،
أو بسرعةِ نيزك.

لا تَئِدْ
أثرَ الصّبي الذي كانَ
على جناحِ الرّيحِ،
سنونوةً،
خفيفةً وقصيّة،
قبلَ أن يَسقُطَ في عمقِ الشّباك.

لا تنسَ حزنَ الدّمى المختبئاتِ،
في أشلاءِ أمّهاتِهِن الصّغيرات.

كُنْ حليباً،
كُنْ سريراً،
كُنْ قُماطاً،
كُنْ ما شئتَ من أصلِ الملاك.

للرّضيعِ الذي سبقتْ بكاءَه،
واسمَه،
ثرثراتُ الحرب.

لقد خُدِعتُم،
خُدِعتُم.

ثمَّةَ ضوءٌ في آخرِ النَّفق،
يقولُ:
شهيقٌ أخيرٌ
قادمٌ من أعماقِ الرّكام.

ومثلَه،
أقولُ:
لي مثلُ ما لي من الرّمادِ،
حظُّ طائرِ العنقاء.

إنِّي أصدّقُ وعدَ الله:
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾،

والظُّلمُ
إلى زوال.

يا شعبُ:
معاً،
معاً،
إلى الأبد.

يهدمونكَ،
فتتجدّد.

يهدمونني،
فأتجدّد.

وإنّي،
بصمودِ زيتونكَ،
أبارزُ الوحشَ
بسرديّةِ البطل.

يا شعبُ:
ها قد أطلَّتْ برأسِها
معجزاتُ أكتوبر.

فلبسَ التّاريخُ
وجهَ تاريخٍ آخر.

ها قد تهاوتْ،
مثلَ جدارِهِ العازلِ،
أسطورةُ الجيشِ الذي لا يُقهَر.

ها هي أزهاري،
تستيقظُ حُبلى
بماءِ النّحل.

وكفُّ شمسي،
تخرجُ بيضاءَ من ذراعِ الظّل.

ها أنا،
بعدَ الخريفِ،
أُكلّمُ الخريفَ
بلغةِ القمح.

أنا أجملُ النَّاجياتِ من الذّبح.

يا شعبُ:
ها قد صارَ التّحريرُ واقعاً،
وغدتْ
حريّةُ المسرى،
والأسرى،
قابَ قوسينِ
أو أدنى،
تقولُ غزّة.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق